وفيه إشارة أخرى وهي: إن قوله: {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ} هو من خصوصية صفة إبليس فكانت هذه الصفة توجد في فرعون وكان في صفة فرعون قوله: {أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24] ولم توجد هذه الصفة في إبليس؛ ليعلم أن الله أكرم الإنسان باستعداد يختص به، وهو قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] فإذا افسد استعداده واستنزله دركة لا يبلغه فيها إبليس وغيره وهي أسفل سافلين فيكون شر البرية، ولو استكمل استعداده ينال رتبة في القربة لا يسعه فيها ملك مقرب فيكون خير البرية. وبقوله: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف: 54] يشير إلى أن كل من استولى على قوم سلطان القلب على قومه وهم النفس وصفاتها وهواها، فاستخفهم بالرياضة والمجاهدة على وفق الشريعة وقانون الطريقة أطاعوه رهبة منه، بأن يزيد في جهادهم ورياضتهم ومخالفة طباعهم، وإن استولت على قومها وهم القلب والروح وصفاتهما فاستخفهم بمخالفات الشريعة، وموافقات الهوى والطبيعة فأطاعوها رهبة إلى أن يتخلقوا بأخلاقها فأطاعوها رغبة، وبقوله: {فَلَمَّآ آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الزخرف: 55] يشير إلى أن إغضاب أوليائه إغضابه، وإنه ينتقم لأوليائه من أعدائه كما أخبر في حديث رباني:"من عاد لي ولياً فقد بارزني بالحرب، وإني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث الجرو لجروه"، وهذا أصل في باب الجمع أضاف أسلافهم أولياءه إلى نفسه، وفي الخبر أنه يقول:"مرضت فلم تعدني"، وقال في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] فجعلناهم سلفاً متقدمين، ومثلاً يتعظ بهم من خلفهم من المتأخرين.