إن المسافة بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة مسافة هائلة تدير الرؤوس. ولكنها فِي حساب القدرة الإلهية أمر يسير .. كيف؟ .. هذا ما لا أحد يدريه. وما لا يمكن لأحد إدراكه .. إن إدراك الماهية والكيفية هنا سر من أسرار الألوهية، لا سبيل إليه فِي عالم الفانين! وإن يكن فِي طوق العقل البشري إدراك دلالته والاتعاظ بها: {ويريكم آياته لعلكم تعقلون} ..
وأخيراً نجيء إلى جمال الأداء وتناسقه مع السياق ..
هذه قصة قصيرة نبدؤها، فإذا نحن أمام مجهول لا نعرف ما وراءه. نحن لا نعرف فِي مبدأ عرض القصة لماذا يأمر الله بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة، كما أن بني إسرائيل إذ ذاك لم يعرفوا، وفي هذا اختبار لمدى الطاعة والاستجابة والتسليم.
ثم تتابع الحوار فِي عرض القصة بين موسى وقومه، فلا نرى الحوار ينقطع ليثبت ما دار بين موسى وربه؛ على حين أنهم كانوا فِي كل مرة يطلبون منه أن يسأل ربه، فكان يسأله، ثم يعود إليهم بالجواب.
.ولكن سياق القصة لا يقول: إنه سأل ربه ولا إن ربه أجابه .. إن هذا السكوت هو اللائق بعظمة الله، التي لا يجوز أن تكون فِي طريق اللجاجة التي يزاولها بنو إسرائيل!
ثم تنتهي إلى المباغتة فِي الخاتمة - كما بوغت بها بنو إسرائيل - انتفاض الميت مبعوثا ناطقاً، على ضربة من بعض جسد لبقرة بكماء مذبوحة، ليس فيها من حياة ولا مادة حياة!
ومن ثم يلتقي جمال الأداء التعبيري بحكمة السياق الموضوعية فِي قصة قصيرة من القصص القرآني الجميل.
وتعقيباً على هذا المشهد الأخير من القصة، الذي كان من شأنه أن يستجيش فِي قلوب بني إسرائيل الحساسية والخشية والتقوى؛ وتعقيبا كذلك على كل ما سلف من المشاهد والأحداث والعبر والعظات، تجيء هذه الخاتمة المخالفة لكل ما كان يتوقع ويرتقب: