وبقوله: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19] ، يشير إلى ما آتاهم الله من فضله من المقامات والكمالات، أنه فيها حق للطالبين الصادقين إذا قصدوهم من أطراف العالم في طلبها إذ عرفوا قدرها، والمحروم من لم يعرف قدر تلك المقامات والكمالات، فاقصدوهم في طلبها فلهم في ذمة هؤلاء الكرام حق التفقد والنصح،"فإن الدين النصيحة"؛ فإنهم بمنزلة الطبيب، والمحروم بمنزلة المريض، فعلى الطبيب أن يأتي إلى المريض، ويرى نبضه ويعرف علته ويعرفه خطرها، ويأمره بالاحتماء عن كل ما يضره، ويعالجه بأدوية تنفعه إلى أن يزول مرضه وتظهر صحته.
{وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} [الذاريات: 20] ، منها أنها تحمل كل شيء، فكذلك الموقن العارف يحمل كل حمل من كل أحد، ومن استثقل حملاً وتبرم برؤية أحد؛ ساقه الله إليه فلغيبته عن الحقيقة ومطالعته الخلق بعين التفرقة، وأهل الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة، ومنها أنه يلقى عليها كل قذارة وقمامة فتنبت كل زهر ونور وورد، كذلك المعارف يتشرف ما يسقي من الجفاء، ولا يترشح إلا بكل خلق على شيمة زكية، ومنها أن ما كان منها سبخاً يترك ولا يعمر؛ لأنه لا يتحمل العمارة كذلك من الإيمان له بهذه الطريقة يهمل؛ فإن مقابلته بهذه القصة كإلقاء البذر في الأرض السبخة.
وبقوله: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] ، يشير إلى أن نفس الإنسان مرآة جميع صفات الحق تعالى؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
"من عرف نفسه فقد عرف ربه"، فلا يعرف أحد نفسه إلا بعد كمالها، وكمالها في أن تصير مرآة تامة مصقولة قابلة لتجلي صفات الحق لها؛ فيعرف نفسه بالمرآتية ويعرف ربه بالتجلي فيها، كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] .