ومن لطائف ونكات تفسير ابن عجيبة:
سورة الذاريات
(وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)
شبّه ما وعد به من الرزق وغيره بتحقُّق نطق الآدمي لأنه ضروري، يعرفه من نفسه كلُّ أحد.
قال الطيبي: وإنما خصّ النطق دون سائر الأعمال الضرورية، لكونه أبقى وأظهر، ومن الاحتمال أبعد، فإنّ النطق يُفصح عن كل شيء، ويجلي كل شبهة. اهـ.
فَضمان الرزق وإنجاز وعده ضروري، كنطق الناطق.
رُوي عن الأصمعي أنه قال: أقبلتُ من جامع البصرة، فطلع أعرابي على قَعود، فقال: مَنْ الرجل؟ فقلت: من بني أصمع، فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من موضع يتلى فيه كلام الله، قال: اتل عليَّ، فتلوت: وَالذَّارِياتِ ...
فلما بلغت قوله: (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ) قال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها، ووزعها على مَن أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسّرهما، وولّى، فلما حججت مع الرشيد، وطُفت، فإذا أنا بصوت رقيق يهتف بي، فالتفتّ، فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفرّ، فسلّم عليَّ، واستقرأ السورة، فلما بلغتُ الآية، صاح، وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّاً، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت: (فَوَرَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) فقال: سبحان الله! مَن الذي أغضب الجليل حتى حلف؟ لم يُصدقوه بقوله حتى حلف، قالها ثلاثاً، وخرجت معها نَفْسُه اهـ. من النسفي.
قلت: وقد سمعت حكاية أخرى، فيها عبرة، وذلك أن رجلاً سمع قارئاً يقرأ هذه الآية، فدخل بيته، ولزم زاوية منه يذكر فيها، ويتبتل، فجاءت امرأته تنقم عليه، وتأمره بالخدمة، فقال لها: قال تعالى: (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ) ، فلما أيست منه ذهبت تحفر شيئاً، فوجدت آنية مملوءة دنانير، فجاءت إليه، وقالت: قد أتانا رزقنا، قم تحفره معي، هو في موضع كذا، فقال: إنما قال تعالى: (في السماء) ولم يقل في الأرض، فامتنع، فذهبت إلى أخٍ لها تستعين به، فلما فتحتها وجدتها مملوءة عقارب، فقالت: والله لأطرحنها عليه لنستريح منه، ففتحت كوة من السقف، وطرحتها عليه، فسقطت دنانير، فقال: الآن نعم، قد آتاني من حيث قال ربي: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ. اهـ.
وذكر في التنوير: أن الملائكة لَمَّا نزلت هذه الآية ضجّت في السماء، وقالت: ما أضعف بني آدم حتى أحوجوا ربهم إلى الحلف.