الأول القريب الذي أرادوا الإيهام به: هو أنه ما زال ضالا مع أوهامه، طامعا بعد نيف وثلاثين سنة من غياب يوسف في أن يعود إليه أو يلتقي به.
الثاني البعيد الذي قصدوه: هو أنه ما زال ضالا في إيثاره يوسف وشقيقه بنيامين على سائر بنيه، وهذا المعنى هو الذي كانوا ذكروه قبل أن يلقوا يوسف في غيابة الجب.
الاستخدام
الاستخدام هو: ذكر لفظ مشترك بين معنيين يراد به أحدهما ثم يعاد عليه ضمير أو إشارة بمعناه الآخر أو يعاد عليه ضميران يراد بثانيهما غير ما يراد بأولهما.
فالأول كقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}
أريد أولا بالشهر الهلال، ثم أعيد عليه الضمير أخيرا بمعنى أيام رمضان.
ومعنى الآية: من ثبتت لديه رؤية هلال الشهر فليصم في أيامه.
والثاني: كقول البحتري:
فسقى الغضا والساكنيه وإن هم شبوه بين جوانحي وضلوعي
(الغضا) أراد به أولا المكان، وأعاد الضمير عليه بعبارة (والساكنيه) على هذا المعنى، وأعاد الضمير عليه بعد ذلك على معنى شجر الغضا وحطبه الصلب ذي النار إذا اشتعل، فقال: (شبوه) أي: أو قدوه.
فملخص الاستخدام: أن يؤتى بلفظ له معنيان فيراد به أحدهما ثم يراد بضميره المعنى الآخر.
الاستطراد
وهو أن يخرج المتكلم من الغرض الذي هو فيه إلى غرض آخر لمناسبة بينهما ثم يرجع فينتقل إلى إتمام الكلام الأول كقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ}
فهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدو السوءات وخصف الورق عليهما إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارا بأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى.
ومنه قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}