وهم كانوا يستثقلون دعوة النبي لهم إلى الهدى ؛ وهو يقدمه لهم خالصاً بريئاً ، لا يطلب عليه أجراً ، ولا يفرض عليهم إتاوة. وأيسر ما يقتضيه هذا العرض البريء أن يستقبل صاحبه بالحسنى ، وأن يرد بالحسنى إذا لم يقبلوا ما يقدمه لهم ويعرضه عليهم. وهو هنا يستنكر مسلكهم الذي لا داعي له يقول:
{أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون؟} ..
أي مثقلون من الغرم تكلفهم إياه في صورة الأجر على ما تقول! فإذا كان الواقع أن لا أجر ولا غرامة. فكم يبدو عملهم مسترذلاً قبيحاً ، يخجلون منه حين يواجهون به؟
ويعود يواجههم بحقيقة وجودهم ووضعهم في هذا الوجود.
فهم عبيد لهم حدود. مكشوف لهم من هذا الوجود بقدر. محجوب عنهم ما وراءه ، مما يختص به صاحب هذا الوجود. فهنالك غيب من اختصاص الله يقف دونه العبيد ، لا علم لهم به ، لأنهم عبيد:
{أم عندهم الغيب فهم يكتبون؟} ..
وهم يعلمون أن ليس عندهم الغيب ، وأن ليس لهم به علم ، وأن ليس لهم عليه قدرة. وأنهم لا يكتبون في سجل الغيب شيئاً ، إنما يكتب الله فيه ما يريد ، مما يقدره للعبيد.
والذي يملك أمر الغيب وما يقدر فيه وما يدبر ، هو الذي يملك أن يدبر فيه وأن يكيد. فما لهم وهم عن الغيب محجوبون ، وفي سجله لا يكتبون يكيدون لك ويدبرون ، ويحسبون أنهم قادرون على شيء من أمر المستقبل: فيقولون: شاعر نتربص به ريب المنون؟!
{أم يريدون كيداً؟ فالذين كفروا هم المكيدون} !
وهم الذين يحيق بهم ما يقدره صاحب الغيب لهم ، وهم الذين يقع عليهم كيده ومكره. والله خير الماكرين.
{أم لهم إله غير الله؟} .. يقيهم ويتولاهم ويرد عنهم كيد الله.. {سبحان الله عما يشركون} وتنزه - سبحانه - عن تصورهم الباطل السقيم!