46 - {وَكَانُوا يُصِرُّونَ} ويداومون ويواظبون {عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} ؛ أي: على الذنب العظيم الذي هو الشرك. ومنه: قولهم: بلغ الغلام الحنث؛ أي: الحلم، ووقت المؤاخذة بالذنب. وحنث في يمينه خلاف برَّ فيها. وقال بعضهم: الحنث هنا: الكذب؛ لأنهم كانوا يحلفون بالله مع شركهم لا يبعث الله من يموت. يقول الفقير: يدل على هذا ما يأتي من قوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) } .
والحكمة في ذكر سبب عذابهم - مع أنه لم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم، فلم يقل: إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين -: التنبيه على أن ذلك الثواب منه تعالى فضل، لا تستوجبه طاعة مطيع، وشكر شاكر، وإن العقاب منه تعالى عدل. فإذا لم يعلم سبب العقاب يظن أن هناك ظلمًا.
47 - {وَكَانُوا} مع شركهم {يَقُولُونَ} لغابة عتوّهم وعنادهم {أَئِذَا مِتْنَا} والهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف هو متعلق {إذا} ، دل عليه قوله: {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} ؛ أي: أنبعث إذا متنا. {وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا} ؛ أي: أنبعث إذا كان بعض أجزائنا من اللحم والجلد ترابًا، وبعضها عظامًا نخرة بالية. وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد، وانقلابه من الأجزاء البادية. و {إذا} ممحضة للظرفية، والعامل فيها ما دل عليه قوله سبحانه: {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} ، لا نفسه. لأن ما بعد"إنَّ، واللام، والهمزة"لا يعمل فيما قبلها. وهو البعث، كما مرَّ تقديره آنفًا. وهو المرجع للإنكار والاستبعاد، وتقييده بالوقت المذكور ليس لتخصيص إنكاره به فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت، وإن كان البدن على حاله، بل لتقوية الإنكار للبعث بتوجيهه إليه في حالة منافية بالكلية. وليس مدار إنكارهم كونهم ثابتين في المبعوثية بالفعل في حال كونهم ترابًا وعظامًا، بل كونهم بعرضية ذلك واستعدادهم له، ومرجعه إلى إنكار البعث بعد تلك الحالة.
48 -والهمزة في قوله: {أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) } للإنكار والاستبعاد أيضًا، داخلة على محذوف، والواو: للعطف على المستكن في {لَمَبْعُوثُونَ} لوقوع الفصل بينهما بالهمزة، والتقدير: ألمبعوثون نحن وآباؤنا الأولون؟