هل في اختصاص مواقع النجوم للقسم بها فائدة ؟ قلنا: نعم فائدة جليلة ، وبيانها أنا قد ذكرنا أن القسم بمواقعها كما هي قسم كذلك هي من الدلائل ، وقد بيناه في الذاريات ، وفي الطور ، وفي النجم ، وغيرها ، فنقول: هي هنا أيضاً كذلك ، وذلك من حيث إن الله تعالى لما ذكر خلق الآدمي من المني وموته ، بين بإشارته إلى إيجاد الضدين في الأنفس قدرته واختياره ، ثم لما ذكر دليلاً من دلائل الأنفس ذكر من دلائل الآفاق أيضاً قدرته واختياره ، فقال: {أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} [الواقعة: 63] {أَفَرَءيْتُمُ الماء} [الواقعة: 68] إلى غير ذلك ، وذكر قدرته على زرعه وجعله حطاماً ، وخلقه الماء فراتاً عذباً ، وجعله أجاجاً ، إشارة إلى أن القادر على الضدين مختار ، ولم يكن ذكر من الدلائل السماوية شيئاً ، فذكر الدليل السماوي في معرض القسم ، وقال: مواقع النجوم ، فإنها أيضاً دليل الاختيار ، لأن كون كل واحد في موضع من السماء دون غيره من المواضع مع استواء المواضع في الحقيقة دليل فاعل مختار ، فقال: {بمواقع النجوم} ليس إلى البراهين النفسية والآفاقية بالذكر كما قال تعالى:
{سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق وَفِي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] وهذا كقوله تعالى: {وَفِي الأرض ءايات لّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20 ، 21] {وَفِي السماء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22] حيث ذكر الأنواع الثلاثة كذلك هنا ، ثم قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} والضمير عائد إلى القسم الذي يتضمنه قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ} فإنه يتضمن ذكر المصدر ، ولهذا توصف المصادر التي لم تظهر بعد الفعل ، فيقال: ضربته قوياً ، وفيه مسائل نحوية ومعنوية ، أما النحوية:
فالمسألة الأولى: