أَيْ فَذَلِكَ مُسَلَّمٌ لَكَ أَنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَأُلْقِيَتْ «أَنَّ» وَنُوِيَ مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدَّقٌ مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ، إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ: إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ مَعْنَاهُ أَنَّكَ مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ، وَمُصَدَّقٌ عَنْ قَلِيلٍ قَالَ: وَقَوْلُهُ: {فَسَلَامٌ لَكَ} مَعْنَاهُ: فَسُلِّمَ لَكَ أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِهِ: فَسُقْيًا لَكَ مِنَ الرِّجَالِ قَالَ: وَإِنْ رَفَعْتَ السَّلَامَ فَهُوَ دُعَاءٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصَوَابِهِ.
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ قَوْلُهُ: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ جَوَابَيْنِ، لِيُعْلَمَ أَنَّ أَمَّا جَزَاءٌ قَالَ:
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} قَالَ: وَهَذَا أَصْلُ الْكَلِمَةِ مُسَلَّمٌ لَكَ هَذَا، ثُمَّ حُذِفَتْ «أَنَّ» وَأُقِيمَ «مِنْ» مَقَامَهَا قَالَ: وَقَدَ قِيلَ: فَسَلَامٌ لَكَ أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، فَهُوَ عَلَى ذَاكَ: أَيْ سَلَامٌ لَكَ يُقَالُ: أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى كَلَامَيْنِ قَالَ: وَقَدَ قِيلَ مُسَلَّمٌ: أَيْ كَمَا تَقُولُ: فَسَلَامٌ لَكَ مِنَ الْقَوْمِ، كَمَا تَقُولُ: فَسُقْيًا لَكَ مِنَ الْقَوْمِ، فَتَكُونُ كَلِمَةً وَاحِدَةً.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ: فَسَلَامٌ لَكَ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ثُمَّ حُذِفَتْ وَاجْتُزِئَ بِدِلَالَةِ مِنْ عَلَيْهَا مِنْهَا، فَسَلِمْتَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَمِمَّا تَكْرَهُ، لِأَنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ.
وَقَوْلُهُ: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ}
يَقُولُ تَعَالَى: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ، الْجَائِرِينَ عَنْ سَبِيلِهِ، فَلَهُ نُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ قَدْ أُغْلِيَ حَتَّى انْتَهَى حَرُّهُ، فَهُوَ شَرَابُهُ {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}
يَقُولُ: وَحَرِيقُ النَّارِ يُحْرَقُ بِهَا؛ وَالتَّصْلِيَةُ: التَّفْعِلَةُ مِنْ صَلَاهُ اللَّهُ النَّارَ فَهُوَ يَصْلِيهِ تَصْلِيَةً، وَذَلِكَ إِذَا أَحْرَقَهُ بِهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) }