وسادسها: ما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي غزاة فِي ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه ، ثم صلينا فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا الحديث يدل على أنهم كانوا قد نقلوا حينئذ إلى الكعبة لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ قبلة بيت المقدس.
وسابعها: أن الآية نزلت فِي المسافر يصلي النوافل حيث تتوجه به راحلته.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال: إنما نزلت هذه الآية فِي الرجل يصلي إلى حيث توجهت به راحلته فِي السفر.
وكان عليه السلام إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعاً يوميء برأسه نحو المدينة ، فمعنى الآية: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ} وجوهكم لنوافلكم فِي أسفاركم: {فَثَمَّ وَجْهُ الله} فقد صادفتم المطلوب: {إِنَّ الله واسع} الفضل غني ، فمن سعة فضله وغناه رخص لكم فِي ذلك لأنه لو كلفكم استقبال القبلة فِي مثل هذه الحال لزم أحد الضررين ، إما ترك النوافل ، وإما النزول عن الراحلة والتخلف عن الرفقة بخلاف الفرائض ، فإنها صلوات معدودة محصورة فتكليف النزول عن الراحلة عند أدائها واستقبال القبلة فيها لا يفضي إلى الحرج بخلاف النوافل ، فإنها غير محصورة ، فتكليف الاستقبال يفضي إلى الحرج.
فإن قيل: فأي هذه الأقاويل أقرب إلى الصواب.
قلنا: إن قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} مشعر بالتخيير والتخيير لا يثبت إلا فِي صورتين.
أحدهما: فِي التطوع على الراحلة.