ولعل فريضة الزكاة بهذه الصفة والمعنى من أعظم التشريعات الإسلامية سعة مدى وأثرا في صلاح المجتمع الإسلامي وأمنه وتضامنه، وتخفيف أزمات بنيه ومحتاجيه، وتقليل أسباب الأحقاد والضغائن والحسد بين المحتاجين، وغير المحتاجين، وتيسير تغذية المشاريع العامة التي لا تقوم إلّا بالمال. وهي من أعظم
مميزات الشريعة الإسلامية على غيرها، على هذا الاعتبار والمعنى ومن أعظم مرشحاتها للخلود.
ولقد ذكرت الزكاة حضا عليها وإيجابا لها وتنويها بفاعليها وتنديدا بمانعيها ووعدا بمضاعفة ثوابها وبإخلاف الله على فاعليها في آيات كثيرة جدا مكية ومدنية تغني كثرتها عن التمثيل حيث ينطوي في ذلك مقدار العناية التي أعارتها حكمة التنزيل للزكاة ومدى ما كان وقدر لها من أثر وخطورة في حياة المجتمع الإسلامي. ولقد ورد مثل ذلك في أحاديث نبوية عديدة أيضا.
من ذلك ما رواه الشيخان والنسائي عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهمّ أعط ممسكا تلفا» . وما رواه كذلك عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ما تصدّق أحد بصدقة من طيّب ولا يقبل الله إلّا الطيّب إلّا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كفّ الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربّي أحدكم فلوّه أو فصيله» . وروى الترمذي زيادة على ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلم:
«وتصديق ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ» .