وعلى أية حال فإننا نجد التوجيه إلى الصبر , بعد التوجيه إلى القيام والذكر , وهما كثيرا ما يقترنان في صدد تزويد القلب بزاد هذه الدعوة في طريقها الشاق الطويل , سواء طريقها في مسارب الضمير أو طريقها في جهاد المناوئين , وكلاهما شاق عسير . . نجد التوجيه إلى الصبر . (واصبر على ما يقولون) مما يغيظ ويحنق , (واهجرهم هجرا جميلا) . . لا عتاب معه ولا غضب , ولا هجر فيه ولا مشادة . وكانت هذه هي خطة الدعوة في مكة - وبخاصة في أوائلها . . كانت مجرد خطاب للقلوب والضمائر , ومجرد بلاغ هادئ ومجرد بيان منير .
والهجر الجميل مع التطاول والتكذيب , يحتاج إلى الصبر بعد الذكر . والصبر هو الوصية من الله لكل رسول من رسله , مرة ومرة ومرة ; ولعباده المؤمنين برسله . وما يمكن أن يقوم على هذه الدعوة أحد إلا والصبر زاده وعتاده , والصبر جنته وسلاحه , والصبر ملجؤه وملاذه . فهي جهاد . . جهاد مع النفس وشهواتها وانحرافاتها وضعفها وشرودها وعجلتها وقنوطها . . وجهاد مع أعداء الدعوة ووسائلهم وتدبيرهم وكيدهم وأذاهم . ومع النفوس عامة وهي تتفصى من تكاليف هذه الدعوة , وتتفلت , وتتخفى في أزياء كثيرة وهي تخالف عنها ولا تستقيم عليها . والداعية لا زاد له إلا الصبر أمام هذا كله , والذكر وهو قرين الصبر في كل موضع تقريبا !
اصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا . . وخل بيني وبين المكذبين , فأنا بهم كفيل: (وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا) . . كلمة يقولها الجبار القهار القوي المتين . . (ذرني والمكذبين) . . والمكذبون بشر من البشر , والذي يتهددهم هو الذي أنشأهم ابتداء وخلق هذا الكون العريض"بكن"ولا تزيد !
ذرني والمكذبين . . فهي دعوتي . وما عليك إلا البلاغ . ودعهم يكذبون واهجرهم هجرا جميلا . وسأتولى أنا حربهم , فاسترح أنت من التفكير في شأن المكذبين !