قال القشيّري: وهذا الإنباء يكون يوم القيامة عند وزن الأعمال. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"سَبْع يَجْرِي أجْرها للعبد بعد موته وهو في قبره: من علم علمًا أو أجرى نهرًا أو حفر بئرًا أو غرس ظلًا أو بني مسجدًا أو ورّق مصحفًا أو ترك وليًّا يستغفر له بعد موته". وفي الحديث:"ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقّ تمرة".
14 -ثم بين أن أعظم شاهد على المرء نفسه، فهي نعم الشاهد عليه، فقال: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) } {الْإِنْسَانُ} مبتدأ، و {بَصِيرَةٌ} خبره، و {عَلَى نَفْسِهِ} متعلق بـ {بَصِيرَةٌ} بتقدير على أعمال نفسه، والموصوف محذوف؛ أي: بل هو حجّةٌ بصيرة وبيّنة واضحة على أعمال نفسه، شاهدة جوارحه وأعضاؤه بما صدر عنه من الأفعال السيئة، كما يعرب عنه كلمة {عَلَى} ، وما سيأتي من الجملة الحالية. ووصفت الجوارح بالبصارة والشهادة مجازًا في الإسناد، كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} . أو عين بصيرة أو ذو بصيرة أو التاء للمبالغة كما في علّامة ونسّابة؛ أي: بصير شاهد على أعمال نفسه. ومعنى {بَلِ} هنا الترقي؛ أي: ينّبأ الإنسان بأعماله بل هو لا يحتاج إلى أن يخبره غيره، فإنه يومئذٍ عالم بتفاصيل أعماله وأحواله، شاهد على نفسه؛ لأنَّ جوارحه تنطق بذلك.