فهرس الكتاب
لم يذكر في هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من كبار الصحابة الذين يبعد كل البعد أنهم لم يجمعوه، مع كثرة رغبتهم في الخير وحرصهم على ما دون ذلك من الطاعات، وكيف نظن هذا بهم ونحن نرى أهل عصرنا حفظه منهم في كل بلدة ألوف، مع بعد رغبتهم في الخير عن درجة الصحابة؟ مع أن الصحابة لم يكن لهم أحكام مقررة يعتمدونها في سفرهم وحضرهم إلا القرآن وما سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكيف نظن بهم إهماله؟ فكل هذا وشبهه يدل على أنه لا يصح أن يكون معنى الحديث أنه لم يكن في نفس الأمر أحد يجمع القرآن إلا الأربعة المذكورون.
قال المازري: وأنَّا نعلم أن القرآن كان عندهم من البلاغة بحيث هو، وكان الكافرون في الجاهلية يعجبون من بلاغته، ويحاورون فيها حتى ينسبونها تارة إلى السحر، وتارة إلى أساطير الأولين، ونحن نعلم من عادة العرب شدة حرصها على الكلام البليغ وتحفظها له، ولم يكن لها شغل ولا صنعة سوى ذلك. فلو لم يكن للصحابة باعث على حفظ القرآن سوى هذا الذي ذكرناه لكان أول الدلائل على أن الخبر ليس على ظاهره.
الوجه العاشر: أنه لو ثبت أنه لم يجمعه إلا الأربعة لم يقدح في تواتره، فإن أجزاءه حفظ كل جزء منها خلائق لا يحصون، يحصل التواتر ببعضهم، وليس من شرط التواتر أن ينقل
جميعهم جميعه؛ بل إذا نقل كل جزء عدد التواتر، صارت الجملة متواترة بلا شك، ولم يخالف في هذا مسلم ولا ملحد.
الشبهة الثالثة: حول اختلاف ألحان العرب في المصاحف وألحان اللغات.
نص الشبهة:
عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي قال: لما فُرغ من المصحف، أُتي به عثمانُ فنظر فيه فقال:"قد أحسنتم، وأجملتم، أرى فيه شيئًا من لحنٍ ستقيمه العرب بألسنتها" (2)
وعن عكرمة الطائي قال: لما أُتي عثمان - رضي الله عنه - بالمصحف رأي فيه شيئًا من لحن فقال:"لو كان المملي من هذيل، والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا".
والرد على ذلك من هذه الوجوه:
الوجه الأول: أن ذلك لا يصح عن عثمان - رضي الله عنه -.
الوجه الثاني: هذا الخبر مما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادةً.
الوجه الثالث: اللحن المراد به هنا هو: اللغة.