الوجه الثالث: اتفاق مصحفنا ومصحف أبيٍّ في ذلك، ما يدل على أنّ الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ، مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخطِّ، لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعلِّمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقَّنوه الأمة تعليمًا على وجه الصواب. وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً على ما هو به في الخط مرسومًا، أدلُّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب.
الوجه الرابع: وقد تأوّل بعض علمائنا قول أمّ المؤمنين أخطأوا في الكتاب، أي: أخطئوا في اختيار الأولى من الأحرف السبعة بجمع الناس عليه لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز؛ لأن ما لا يجوز مردود بإجماع وإن طالت مدّة وقوعه وعظم قدر موقعه، وتأوّل اللحن أنه القراءة واللغة كقول عمر - رضي الله عنه: أبيٌّ أقرؤنا وإنا لندع بعض لحنه. أي قراءته، فهذا بين وبالله التوفيق.
وهذا غير مستبعد فقد ثبت أن كبار الصحابة خطَّأ بعضهم بعضا؛ لعدم علمهم ببعض الأحرف التي أنزل عليها القرآن.
الوجه الخامس: أن هذه الروايات مهما يكن سندها صحيحًا فإنها مخالفة للمتواتر القاطع، ومعارض القاطع ساقط مردود فلا يلتفت إليها ولا يعمل بها، ثم إنه قد نص في كتاب إتحاف فضلاء البشر على أن لفظ (هذان) قد رسم في المصحف من غير ألف ولا ياء؛ ليحتمل وجوه القراءات الأربع فيها كما شرحنا ذلك سابقا في فوائد رسم المصحف؛ وإذن فلا يعقل أن يقال: أخطأ الكاتب. فإن الكاتب لم يكتب ألفًا ولا ياءً، ولو كان هناك خطأ تعتقده عائشة ما كانت تنسبه للكاتب؛ بل كانت تنسبه لمن يقرأ بتشديد (إن) وبالألف لفظا في هذان، ولم ينقل عن عائشة ولا عن غيرها تخطئة من قرأ بما ذكر، وكيف تنكر هذه القراءة وهي متواترة مجمع عليها؛ بل هي قراءة الأكثر ولها وجه فصيح في العربية لا يخفى على مثل عائشة.
ذلك هو إلزام المثنى الألف في جميع حالاته وجاء منه قول الشاعر العربي:
واها لسلمى ثم واها واها ... يا ليت عيناها لنا وفاها
وموضع الخلخال من رجلاها ... بثمن يرضى به أباها
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها