حياتهم حال موتهم على جزاء ذلك، ثم هو يحييهم بقدرته، لنجزيهم مما كانوا
يعملون، ثم يرجعهم إليه في دار القرار، فيجري عليهم ثواب أعمالهم أو عقابه جزاء
بما كانوا يعملون، مع مزيد أهل السعادة عنده من فضله ينيلهم إياه جزاءً لما قلبهم
فيه وبه من وصف ما أسعدهم به في أزله الكريم، وبالضد لأهل البعد في شقائهم
أيضًا من وصف ما أشقاهم، وهو العلي الكبير.
ألا ترى أنه عز جلاله وتعالى علاؤه وشأنه فرض علينا خمسين صلاة، كان
قدرها لنا وعلينا في أزل أحديته حيث لم نكن لأنفسنا موجودين، ولما أوجد نبيه
أرسله إلينا فأظهر إيجابه علينا، ثم برحمة منه وفضل ما خفف عنا بردها خمسًا
عملاً، وأبقاها خمسين ثوابًا وأجرًا، ووقت الصلاة على مقادير حلول الشمس،
فوقت الصبح طلوع الفجر، وهو عن ظهور الشمس لموضع من الأفق.
والظهر باستوائها في كبد السماء، والعصر على التوسط بين ذلك وبين غروبها،
والعشاء الأول بغروبها إلى غروب الشفق، والعشاء الآخرة من لدن غروب الشفق
إلى طلوع الفجر، والزكاة بالحول، والصوم بظهور هلال شهر رمضان، والإفطار منه
بظهور هلال شوال، والشروع في الصيام من طلوع الفجر إلى غروبها، والحج بهلال
ذي الحجة.
وقضى مناسكه في أيام الحج، وهي معلومة بأيام شهر ذي الحجة، وهذه كلها في
الدار الآخرة مواسم تنعيم وتجديد حبور على الدوام بما يكون من الحق المبين من
ظهور وإحكام حكمه، هذا إلى ما فيها من آية ودلالات وبينات من الأمر على الدوام.
وقد كشف حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كون الشمس والقمر في الدار الآخرة منها في
النار بقوله:"من كان يعبد الشمس يتبع الشمس، ومن كان يعبد القمر يتبع القمر،"
ومن كان يعبد الطواغيت يتبع الطواغيت، فيتساقطون في النار"."
وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد رآها غاربة:"إلى نار الله الحامية، لولا ما يزعها من"
رحمة الله...).
ومن آياته جل ذكره: مفهوم قوله الحق: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) .