فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: قَدْ وَضَحَ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَاسْتَبَانَ لِطَالِبِ الْحَقِّ وَالرَّشَادِ وَجْهُ مَطْلَبِهِ، فَتَمَيَّزَ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْغَوَايَةِ، فَلَا تُكْرِهُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، وَمَنْ أَبَحْتُ لَكُمْ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُ، عَلَى دِينِكُمْ دِينِ الْحَقِّ؛ فَإِنَّ مَنْ حَادَ عَنِ الرَّشَادِ بَعْدَ اسْتِبَانَتِهِ لَهُ، فَإِلَى رَبِّهِ أَمْرُهُ، وَهُوَ وَلِيُّ عُقُوبَتِهِ فِي مَعَادِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمَنْ بِاللَّهِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الطَّاغُوتِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الشَّيْطَانُ
وَقَالَ آخَرُونَ: الطَّاغُوتُ: هُوَ السَّاحِرُ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الطَّاغُوتُ: هُوَ الْكَاهِنُ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي الطَّاغُوتِ أَنَّهُ كُلُّ ذِي طُغْيَانٍ عَلَى اللَّهِ فَعُبِدَ مِنْ دُونِهِ، إِمَّا بِقَهْرٍ مِنْهُ لِمَنْ عَبَدَهُ، وَإِمَّا بِطَاعَةٍ مِمَّنْ عَبَدَهُ لَهُ، وَإِنَسَانًا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْبُودُ، أَوْ شَيْطَانًا، أَوْ وَثنا، أَوْ صَنَمًا، أَوْ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ.
وَأَرَى أَنَّ أَصْلَ الطَّاغُوتِ: الطَّغْوُوتُ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: طَغَا فُلَانٌ يَطْغَى: إِذَا عَدَا قَدْرَهُ فَتَجَاوَزَ حَدَّهُ، كَالْجَبَرُوتِ مِنَ التَّجَبُّرِ، وَالْخَلَبُوتِ مِنَ الْخَلْبِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَأْتِي عَلَى تَقْدِيرِ فَعَلُوتٍ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ وَالتَّاءِ، ثُمَّ نُقِلَتْ لَامُهُ أَعْنِي لَامَ الطَّغَوُوتِ، فَجُعِلَتْ لَهُ عَيْنًا، وَحُوِّلَتْ عَيْنُهُ فَجُعِلَتْ مَكَانَ لَامِهِ، كَمَا قِيلَ: جَذَبَ وَجَبَذَ وَجَابَذَ وَجَاذَبَ، وَصَاعَقَةٌ وَصَاقِعَةٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَى هَذَا الْمِثَالِ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: فَمَنْ يَجْحَدْ رُبُوبِيَّةَ كُلِّ مَعْبُودِ مِنْ دُونَ اللَّهِ فَيَكْفُرُ بِهِ؛ {وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ}
يَقُولُ: وَيُصَدِّقُ بِاللَّهِ أَنَّهُ إِلَهُهُ وَرَبُّهُ وَمَعْبُودُهُ، {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}
يَقُولُ: فَقَدْ تَمَسَّكَ بِأَوْثَقِ مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ مِنْ طَلَبِ الْخَلَاصِ لِنَفْسِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ.