الجواب على هذا السؤال هو ما قدمناه في توضيح عبارة الإمام الزمخشري، التي تناقلها عنه النحاة والمفسرون وهو إيثار المضارع على الماضى لاستحضار صورة الحدث في الذهن، وكأن الأبصار تراه الآن.
هذه خلاصة أمينة ووافية لما قاله العلماء في توجيه"فيكون"مضارعًا مرفوعًا لا مجزومًا جوابًا للأمر، ولا ماضيًا.
والخلاصة:
بعد عرض توجيهات المفسرين والنحاة، يطيب لنا أن نستكشف إسهامات البلاغة في تأصيل التعبير القرآني"ثم قال له كن فيكون"الذي اعتبره مثيرو هذه الشبهات معيبًا بالخطأ النحوي، والنحو وإن كان أساس البلاغة، وجذورها العميقة، التي أثمرت كل الإيحاءات البلاغية، فإن هناك حقيقة يجب الوقوف عليها، وهي أن البلاغة تبدأ من حيث ينتهي النحو، فالنحو - ومعه الصرف - يهتم باستقامة الأساليب وصحتها، أما البلاغة فتنظر في الأساليب، وتغوص وراء ما فيها من المعاني الخبيئة، والأسرار الدفينة وتبحث عن الإيحاءات الكامنة وراء كل لفظ وجملة وتركيب، أو تبحث عن معنى المعنى لا معنى اللفظ، أو المعاني الثانية الخفية غير المباشرة الظاهرة.
وإذا كان ما قدمناه من توجيهات كافيًا في إزالة هذه الشبهة التي توهمها هؤلاء"الخواجات"فإن دور البلاغة في تأصيل هذا التعبير القرآني مساير لتوجيهات النحاة والمفسرين.
إن هذا التعبير"كن فيكون"هو الواجب بلاغة وبيانًا وإعجازًا ونظمًا
أما لو قيل"كن فكان"لخلا هذا التعبير من ثلاثة أرباع الحسن الذي هو فيه، وذلك للاعتبارات الآتية:
فأولاً: دلالة الماضى الأصل فيها الانقطاع عن الوجود المستمر، ولذلك يعبر عنه النحويون بأنه: ما دل على حدث وقع وانقطع قبل زمن التكلم.
وهذا غير مراد في حكاية الله كيفية خلقه لآدم، لأنه لو قيل: كن فكان لصدق هذا التعبير عن وجوده لحظة واحدة من الزمن، ولو كان قد مات لحظة خلقه.
أما"كن فيكون"فدلالتها استمرار وجوده حتى أنجب مَنْ أنجب من ذكور وإناث، وما بث منهما من آباء البشر وأمهاته، كما قال عز وجل:
(وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساءً) .
لأن دلالة المضارع تبدأ من الحال، وتستمر في الاستقبال.
وثانياً: أن هذا التعبير"كن فيكون"يؤذن بتقدير مسند إليه قيل"فيكون"أي"فهو يكون"وفي هذا تكرار إسناد"الكينونة"لآدم:
مرة يجعل"يكون"خبرًا عن ضمير آدم"هو"