وقد روى الطبري حديثا آخر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة جاء فيه «أنّ الآية الأولى نزلت في اليتيمة تكون عند الرجل وهي ذات مال فلعله ينكحها لمالها وهي لا تعجبه ثم يضربها ويسيء صحبتها فنهوا عن ذلك» وتبدو حكمة النهي في هذا الحديث أظهر مما هي في الحديث الأول كما هو واضح. فإن احتمال الخوف من الجور أحرى أن يكون من ناحية زواج الوصي على اليتيمة غير الجميلة طمعا في مالها فقط. والمتبادر أن هذه الحالة تكون في ذوي القربى حيث تكون اليتيمة ذات المال في حجر أحد أقاربها فيضنّ بمالها أن يأخذه الغريب فيتزوجها أو يزوجها لابنه ولا يكون لها من جمالها عاصم فتتعرض للأذى. وهذا المعنى ذكر بصراحة أكثر في آية أخرى من هذه السورة وهي: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ
يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (27) .
هذا في صدد الفقرة الأولى من الآية. وواضح من روحها أن الأمر الوارد في الفقرة الثانية أي فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ هو في حالة الخوف من عدم العدل والإنصاف في حالة التزوج باليتيمات. وأنه لا حرج من التزوج بهن في حالة انتفاء هذا الخوف.
والمتبادر أن الفقرة الثالثة التي جاءت بعدها أي فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا قد جاءت في مقام الاستدراك في حالة الخوف من عدم العدل بين الزوجات العديدات اللاتي جعلت الفقرة الثانية فيهن مندوحة عن عدم الإقساط باليتيمات، وفي الجملة الأخيرة من الفقرة تعليل لذلك حيث يكون الاقتصار على زوجة واحدة أو ملك اليمين من الإماء مانعا للجور وعدم العدل.