فهرس الكتاب
[من روائع الأبحاث والمواعظ]
(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْعُمْرَ بِضَاعَةٌ يَسِيرَةٌ يُسَافِرُ بِهَا إِلَى الْبَقَاءِ الدَّائِمِ فِي الْجَنَّةِ لَمْ يُضَيِّعْهُ، فَأَمَّا مَنْ قَلَّ عِلْمُهُ وَضَعُفَ إِيمَانُهُ بِالْجَزَاءِ، وَخَسَّتْ هِمَّتُهُ، فَإِنَّهُ يُؤْثِرُ الرَّاحَةَ بِالْبَطَالَةِ، وَيُقْنِعُهُ مَا يَرْجُو النَّجَاةَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَلا يَنْظُرُ فِي فَوْتِ الدَّرَجَاتِ، فَهُوَ كَمَا قِيلَ:
دَعِ الْمَكَارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي
وَمِنَ الأَسْبَابِ: طُولُ الأَمَلِ:
فَالإِنْسَانُ يَعِدُ نَفْسَهُ بِأَنْ سَيَعْمَلُ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: طُولُ الأَمَلِ يُنْسِي الآخِرَةَ.
وقال ابن عمر: إذ أَصْبَحْتَ فَلا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا أَطَالَ عبدٌ الأَمَلَ إِلا أَسَاءَ الْعَمَلَ.
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، قَالَ:
أَقَامَ مَعْرُوفٌ الْكَرْخِيُّ الصَّلاةَ، ثُمَّ قَالَ لِي: تَقَدَّمَ.
فَقُلْتُ: إِنْ صَلَّيْتُ بِكُمْ هَذِهِ الصَّلاةَ لَمْ أُصَلِّ بِكُمْ غَيْرَهَا.
فَقَالَ مَعْرُوفٌ: وَأَنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ أَنْ تُصَلِّيَ صَلاةً أُخْرَى؟ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ طُولِ الأَمَلِ؛ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ خَيْرَ الْعَمَلِ.
وَقَدْ رُوِّينَا: أَنَّ أَكْبَرَ جُنُودِ إِبْلِيسَ: سَوْفَ.
وَكَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: احْذَرُوا: سَوْفَ.
وَدَخَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَقْبَرَةً، فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، مَا فِيهِمْ أَحَدٌ إِلا وَلَهُ حَوَائِجُ مَا قَضَاهَا، يَقُولُ: سَأَفْعَلُ.
وَمِنَ الأَسْبَابِ: تَعْجِيلُ الرَّاحَةِ:
وَلَوْ كَانَ الذِّهْنُ قَوِيًّا لَعَلِمَ أن الراحة الْبَطَالَةِ تَذْهَبُ، وَفِعَالُهَا خُسْرَانُ الْمَنَاقِبِ، وَأَنْتَ تَرَى الْغَافِلِينَ فِي سَاعَاتِ الْبَطَالَةِ عَنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا، مِنْهُمْ مَنْ يَسْعَى فِي لَهْوٍ يُؤْذِي دِينَهُ وَيَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَحَدَّثُ حَدِيثًا لا يَخْلُو مِنْ إِثْمٍ.