فهرس الكتاب
{ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} أي من زمان قريب وهو ما قبل حضور الموت كما ينبئ عنه ما سيأتي من قوله تعالى: {حتى إِذَا حَضَرَ} [النساء: 18] الخ يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في آخر خطبة خطبها:"من تاب قبل موته بسنة تاب الله تعالى عليه"ثم قال:"وإن السنة لكثيرة من تاب قبل موته بشهر تاب الله تعالى عليه"ثم قال:"وإن الشهر لكثير من تاب قبل موته بيوم تاب الله تعالى عليه"ثم قال:"وإن اليوم لكثير من تاب قبل موته بساعة تاب الله تعالى عليه"ثم قال:"وإن الساعة لكثيرة من تاب قبل موته وقد بلغت نفسه هذه وأهوى بيده الشريفة إلى حلقه تاب الله تعالى عليه"وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة قال: كنا عند أنس بن مالك وَثَمّ أبو قلابة فحدث أبو قلابة قال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة فأنظره إلى يوم الدين فقال وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح قال: وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال القريب ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت، وروى مثله عن الضحاك، وعن عكرمة الدنيا كلها قريب وعن الإمام القشيري القريب على لسان أهل العلم قبل الموت، وعلى لسان أهل المعاملة قبل أن تعتاد النفس السوء ويصير لها كالطبيعة، ولعل مرادهم أنه إذا كان كذلك يبعد عن القبول، وإن لم يمتنع قبول توبته، و {مِنْ} تبعيضية كأنه جعل ما بين وجود المعصية وحضور الموت زماناً قريباً، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان تاب فهو تائب في بعض أجزاء زمان قريب، وجعلها بعضهم لابتداء الغاية.
ورجح الأول بأن من إذا كانت لابتداء الغاية لا تدخل على الزمان على القول المشهور، والذي لابتدائيته مذ ومنذ، وفي الإتيان بثم إيذان بسعة عفوه تعالى. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 4 صـ 238 - 239}