فهرس الكتاب
وَقُتِلَ لِبَعْضِ الصَّالِحِينَ وَلَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَبَكَى فَقِيلَ لَهُ أَتَبْكِي وَقَدِ اسْتُشْهِدَ فَقَالَ إِنَّمَا أَبْكِي كَيْفَ كَانَ رِضَاهُ عَنِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ أَخَذَتْهُ السُّيُوفُ
فَإِنْ قِيلَ قَدْ يُتَصَوَّرُ الصَّبْرُ فَأَمَّا الرِّضَا بِالْمَكْرُوهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ؟
فَالْجَوَابُ أَنَّ نُفُورَ الطَّبْعِ مِنَ الْمُنَافِي لَا يُضَادِّ رِضَى الْقَلْبِ بِالْقَدَرِ فَإِنَّمَا نَرْضَى بِالْقَضَاءِ وَإِنْ كَرِهْنَا الْمُقْضَى.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ مَاتَ وَلَدٌ لأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ لأَهْلِهَا لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ قَالَ فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ تَصْنَعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَأَصَابَ مِنْهَا قَالَتْ يَا أَبَا طَلْحَةَ أَرَأَيْت لَو أَن قوما أعاروا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ وَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ قَالَ لَا فَقَالَتْ فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ.
عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْضَى لَكَ عَنِّي أَنْ أَرْمِي نَفْسِي مِنْ هَذَا الْجَبَلِ فَأَتَرَدَّى فَعَلْتُ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْضَى لَكَ عَنِّي أَنْ أُوقِدَ نَارًا عَظِيمَةً فَأَقَعُ فِيهَا فَعَلْتُ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْضَى لَكَ عَنِّي أَنْ أُلْقِيَ نَفْسِي فِي الْمَاءِ فَأَغْرَقُ فَعَلْتُ.
وَقَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ إِنَّا لَمُتَوَجِّهُونَ إِلَى مَهْرَانَ وَمَعَنَا رَجُلٌ مِنَ الأَسَدِ فَجَعَلَ يَبْكِي فَقُلْتُ لَهُ أَجَزَعٌ هَذَا؟ قَالَ لَا وَلَكِنْ تَرَكْتُ ابْنِي فِي الرَّحْلِ فَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ مَعِي فَدَخَلْنَا الْجَنَّةَ جَمِيعًا.
وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوَلانِيُّ لأَنْ يُولَدَ لِي مَوْلُودٌ يُحْسِنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبَاتَهُ حَتَّى إِذَا اسْتَوَى عَلَى شَبَابِهِ وَكَانَ أَعْجَبَ مَا يَكُونُ إِلَيَّ قَبْضُهُ مِنِّي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
قَالَ حَاتِمٌ الأَصَمُّ: لَقِينَا التُّرْكَ فَكَانَ بَيْنَنَا جَوْلَةٌ فَرَمَانِي تُرْكِيٌّ بِوَهَقٍ فَغَلَبَنِي عَنْ فَرَسِي وَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ فَقَعَدَ عَلَى صَدْرِي وَأَخَذَ بِلِحْيَتِي وَأَخْرَجَ مِنْ خُفِّهِ سِكِّينًا لِيَذْبَحَنِي فَوَحَقِّ سَيِّدِي مَا كَانَ قَلْبِي عِنْدَهُ وَلا عِنْدَ سِكِّينَتِهِ إِنَّمَا كَانَ قَلْبِي عِنْدَ سَيِّدِي أَنْظُرُ مَاذَا يَنْزِلُ بِهِ الْقَضَاءُ مِنْهُ فَقُلْتُ سَيِّدِي
قَضَيْتَ أَنْ يَذْبَحَنِي هَذَا فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ إِنَّمَا أَنَا لَكَ وَمِلْكُكَ فَبَيْنَمَا أَنَا أُخَاطِبُ سَيِّدِي وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى صَدْرِي آخِذٌ بِلِحْيَتِي لِيَذْبَحَنِي رَمَاهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ بِسَهْمٍ فَمَا أَخْطَأَ حَلْقَهُ فَسَقَطَ عَنِّي فَقُمْتُ أَنَا إِلَيْهِ وَأَخَذْتُ السِّكِّينَ مِنْ يَدِهِ فَذَبَحْتُهُ فَمَا هُوَ إِلا أَنْ تَكُونَ قُلُوبُكُمْ عِنْدَ السَّيِّدِ حَتَّى تَرَوْنَ مِنْ عَجَائِبِ لُطْفِهِ مَا لَمْ تَرَوْا مِنَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
إِنْ كَانَ سُكَّانُ الغَضَا ... رَضُوا بِقَتْلِي فَرِضَا
وَاللَّهِ مَا كُنْتُ لِمَا ... يَهْوَى الْحَبِيبُ مُبْغِضَا
صِرْتُ لَهُمْ عَبْدًا وَمَا ... لِلْعَبْدِ أَنْ يعترضا
وَقَالَ الآخر:
إِن رِضَاكُمْ فِي سَهَرِي ... فَسَلامُ اللَّهِ عَلَى وَسَنِي
وَقَالَ الآخَرُ ...
فَمَا لِجُرْحٍ إِذَا أَرْضَاكُمْ أَلَمٌ