فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 796

{وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ(205)}

لَيْسَ الذاكر من قَالَ سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَقَلبه مُصرٌّ على الذُّنُوب وَإِنَّمَا الذاكر من إِذا هم بِمَعْصِيَة ذكر مقَامه بَين يَدي علام الغيوب كَمَا قَالَ بعض السّلف لَيْسَ الذاكر من هَمهم بِلِسَانِهِ وَإِنَّمَا الذاكر من إِذا جلس فِي سوقه وَأخذ يزن بميزانه علم أن الله مطلع عَلَيْهِ فَلم يَأْخُذ إِلَّا حَقًا وَلم يُعْط إِلَّا حَقًا فَمَا يَنْبَغِي للعباد أَن ينشغلوا عَن الْمُنعم بِشَيْء من نعمه وَلَا يلتهوا عَنهُ بِشَيْء من كرمه الله أَحَق أَن نختاره على مَا سواهُ الله مَوْلَانَا وَمَا أولى بِالْخَيرِ من كَانَ الله مَوْلَاهُ يَا ليتنا عقلنا عَن الله وَلَو حرفا من خطابه يَا ليتنا قربنا من الله وَلَو عرض شعره من عَزِيز جنابه إِنَّمَا يفهم مَا أَقُول أَرْبَاب الفطن والعقول إِنَّمَا يشرب من هَذَا الشُّمُول هُوَ برداء التَّوْفِيق مشمول

اسْمَع مَا أَقُول فَهُوَ جميل لَا يضر عَنهُ مَا يَقُول الجهول

كل شَيْء شغول فَهُوَ للنَّفس عول عَن ذكر لمولى ملكه مَا يَزُول

قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم"ملعونة هِيَ الدُّنْيَا مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا ذكر الله وعالما ومتعلما"

كَيفَ لَا تكون الدُّنْيَا ملعونة وَهِي عَن ذكر الله شاغلة وَلمن نظر إِلَيْهَا فاتنة، [[وَلمن ركن إِلَيْها قاتلة، استصحبها غاشة وَلمن استنصرها خاذلة] ] الدن حب وَالْمَعْصِيَة فخ والشيطان صياد وَالْإِنْسَان طَائِر فَمَتَى أكب الْإِنْسَان على الْتِقَاط حلالها فيوشك أن يَقع فِي حرامها وَمَتى وَقع فِي حرامها فقد استحوذ عَلَيْهِ قناصه وَتعذر عَلَيْهِ إِلَّا من جِهَة التَّوْبَة خلاصه فَكيف السَّبِيل إِلَى الْخَلَاص مِنْهَا ورضيعها لَا يُمكنهُ الْفِطَام عَنْهَا؟

وَالْجَوَاب عَن هَذَا السُّؤَال أَن تستغيث بالكبير المتعال فالراجع إِلَى الله مستريح بِاللَّه مِمَّا سواهُ لِأَنَّهُ يستريح من الدُّنْيَا وأشغالها وَمن الشَّيَاطِين ووسواسها وَمن الأفكار وغمومها وَمن الأشغال وهمومها وَغير ذَلِك مِمَّا النَّاس بِهِ فِي هَذِه الدُّنْيَا مفتونون ومعذبون وَعَلِيهِ فِي الْآخِرَة محاسبون ومعاقبون فأريدوا وَجه الله بِكُل أَعمالكُم وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَأَقْبلُوا عَلَيْهِ يقبل عَلَيْكُم فَإِنَّهُ لَا يعرض إِلَّا عَمَّن أعرض عَنهُ وَلَا تجْعَلُوا طلب الدُّنْيَا أكبر همكم فَيطول فِيهَا همكم وَفِي الْآخِرَة يطول حسابكم على قدر ما لكم.

(فصل: في الذّكر المقبول)

لَو جرى ذكر الْعَزِيز الْحَكِيم كَمَا يَنْبَغِي لَهُ الإجلال والتعظيم لسعى بِذكرِهِ كل سقيم وَلَكِن عز على أكثر الْخَلَائق توفيه الإجلال عِنْد ذكر اسْم الْخَالِق فَلذَلِك ترى أَكثر المتعبدين لذكر الله مديمين وَلَا تراهم إِلَى الْمَذْكُور واصلين وَلَا على وصاله بحاصلين لأَنهم يذكرُونَ بألسنتهم من لَيْسَ بقلوبهم عارفين نديم الذّكر وَالذكر عَظِيم الشَّأْن وَالْقدر وَمَا بنصر للذّكر على الذاكر من أثر وَمَا الآفة إِلَّا جهل من يذكر بِالْأَمر إِذا لم يعرف الْمَذْكُور مَا يصنع بِالذكر كل مَطْلُوب لَا يعظمه الطَّالِب لَا يبلغ مِنْهُ شرف الْمَرَاتِب

عبَادَة الله حِرْفَة لَا يحدق فِيهَا إِلَّا المتبتلون إِلَيْهَا وَمَعْرِفَة الله غَايَة لَا يبلغهَا إِلَّا المقبلون بِكُل وُجُوههم عَلَيْهَا وَكَيف لا تكون سلْعَة غَالِيَة وجنة الله عالية وَإِلَيْهِ فِي كل شرف الْمُنْتَهى الَّذِي لَيْسَ وَرَاءه مرمى ابذل الرّوح إِن أردْت الْوِصَال فوصال الحبيب أغْلى وأغلى لَيْسَ من يلتقى إِذا زار بالطرد كمن يلتقي إِذا زار بأهلا وسهلا

من شفيعي إِلَى الحبيب كلما رمت وَصله قَالَ كلا لَو رَآنِي أَهلا لجاد وَلَكِن مَا رَآنِي لما رمت أَهلا إِذا نفع الْوَعْظ وا أسفاه كَلَام من لَا إِلَه سواهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت