سُبْحَانَ مَنْ أَظْهَرَ الْعَجَائِبَ فِي مَصْنُوعَاتِهِ, وَدَلَّ على عظمته بمبتدعاته, وحث على تصفيح عِبَرِهِ وَآيَاتِهِ, وَأَظْهَرَ قُدْرَتَهُ فِي الْبِنَاءِ وَالنَّقْضِ, والهشيم والغض, {قل انظرو ماذا في السماوات والأرض} .
سَعِدَ مَنْ تَدَبَّرَ, وَسَلِمَ مَنْ تَفَكَّرَ, وَفَازَ مَنْ نَظَرَ وَاسْتَعْبَرَ, وَنَجَا مِنْ بَحْرِ الْهَوَى مَنْ تَصَبَّرَ, وَهَلَكَ كُلَّ الْهَلاكِ وَأَدْبَرَ, مَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ مَعَ الشَّعْرِ الْمُبْيَضِّ {قُلِ انْظُرُوا ماذا في السماوات والأرض} .
يَا أَرْبَابَ الْغَفْلَةِ اذْكُرُوا, يَا أَهْلَ الإِعْرَاضِ احْضُرُوا, يَا غَافِلِينَ عَنِ الْمُنْعِمِ اشْكُرُوا, يَا أَهْلَ الْهَوَى خَلُّوا الْهَوَى وَاصْبِرُوا, فَالدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ فَجُوزُوا وَاعْبُرُوا, وَتَأَمَّلُوا هِلالَ الْهُدَى فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا, فَقَدْ نَادَى مُنَادِي الصَّلاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ, فَأَسْمَعَ أَهْلَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ {قُلِ انظروا ماذا في السماوات والأرض} .
إِخْوَانِي: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مُلاحَظَتَهُ بِالْبَصَرِ, وَإِنَّمَا هُوَ التَّفَكُّرُ فِي قُدْرَةِ الصَّانِعِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الدقاق, أنبأنا أبو الحسين ابن بِشْرَانَ, أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ, حَدَّثَنَا سَعْدَانُ, حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ, عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ:"تَفَكُّرُ لَحْظَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ".
وَقِيلَ لَهَا: مَا كَانَ أَفْضَلَ عَمَلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَتِ: التَّفَكُّرُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَكْعَتَانِ مُقْتَصَدِتَانِ فِي تَفَكُّرٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَعُودُونَ بِالتَّفَكُّرِ عَلَى التَّذَكُّرِ, وَبِالتَّذَكُّرِ عَلَى التَّفَكُّرِ, وَيُنَاطِقُونَ الْقُلُوبَ حَتَّى نَطَقَتْ, فَإِذَا لَهَا أَسْمَاعٌ وَأَبْصَارٌ, فَنَطَقَتْ بِالْحِكْمَةِ وَضَرَبَتِ الأَمْثَالَ, فَأَوْرَثَتِ الْعِلْمَ.
وَقَالَ: الْفِكْرُ مِرْآةٌ تُريك حَسَنَاتِكَ وَسَيِّئَاتِكَ. وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ كَلامُهُ حِكْمَةً فَهُوَ لَغْوٌ, وَمَنْ لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُ تَفَكُّرًا فَهُوَ سَهْوٌ, وَمَنْ لَمْ يَكُنْ نَظَرُهُ اعْتِبَارًا فَهُوَ لَهْوٌ.
وَجَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يتكبرون} قَالَ: أَمْنَعُ قُلُوبَهُمْ مِنَ التَّفَكُّرِ فِي أَمْرِي.
وكان لقمان يجلس وحده ويقول: طول الوحدة أفهم للتفكر, وطول التفكر دَلِيلٌ عَلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ منبه: ما طالت فكرة امرئ قَطُّ إِلا عَلِمَ, وَلا عَلِمَ إِلا عَمِلَ.
وَبَيْنَمَا أَبُو شُرَيْحٍ الْعَابِدُ يَمْشِي جَلَسَ فَتَقَنَّعَ بِكِسَائِهِ وَجَعَلَ يَبْكِي, فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: تَفَكَّرْتُ فِي ذَهَابِ عُمْرِي وَقِلَّةِ عَمَلِي واقتراب أجلي!.
وَبَيْنَا دَاوُدُ الطَّائِيُّ فِي سَطْحِ دَارِهِ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ تَفَكَّرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَوَقَعَ إِلَى سَطْحِ جَارِهِ, فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: مَا عَلِمْتُ بِذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفَكُّرَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ, وَالثَّانِي بِالْمَعْبُودِ جَلَّ جَلالُهُ.
فَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِالْعَبْدِ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَفَكَّرَ: هَلْ هُوَ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَمْ لا؟ فَإِنْ رَأَى زَلَّةً تَدَارَكَهَا بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ ثُمَّ يَتَفَكَّرَ فِي نَقْلِ الأَعْضَاءِ مِنَ الْمَعَاصِي إِلَى الطَّاعَاتِ, فَيَجْعَلَ شُغُلَ الْعَيْنِ الْعَبْرَةَ, وَشُغُلَ اللِّسَانِ الذِّكْرَ, وَكَذَلِكَ سَائِرَ الأَعْضَاءِ.
ثُمَّ يَتَفَكَّرَ فِي الطَّاعَاتِ لِيَقُومَ بِوَاجِبِهَا وَيُجْبِرَ وَاهِنَهَا, ثُمَّ يَتَفَكَّرَ فِي مُبَادَرَةِ الأَوْقَاتِ بِالنَّوَافِلِ طَلَبًا لِلأَرْبَاحِ, وَيَتَفَكَّرَ فِي قِصَرِ الْعُمْرِ فَيَنْتَبِهَ حَذِرًا أَنْ يَقُولَ غداً:"يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله".
ثُمَّ يَتَفَكَّرَ فِي خِصَالِ بَاطِنِهِ فَيَقْمَعُ الْخِصَالَ الْمَذْمُومَةَ, كَالْكِبْرِ وَالْعَجَبِ وَالْبُخْلِ وَالْحَسَدِ, وَيَتَوَلَّى الْخِصَالَ الْمَحْمُودَةَ, كَالصِّدْقِ وَالإِخْلاصِ وَالصَّبْرِ وَالْخَوْفِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ يَتَفَكَّرُ فِي زَوَالِ الدُّنْيَا فَيَرْفُضُهَا, وَفِي بَقَاءِ الآخِرَةِ فَيَعْمُرُهَا.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَقْبُرِيُّ, أَنْبَأَنَا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ, أَنْبَأَنَا بُشْرَانُ ابن صَفْوَانَ, أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ, حَدَّثَنِي عَمَّارُ بْنُ عُثْمَانَ, حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ, قَالَ: قَالَ النَّضْرُ بْنُ الْمُنْذِرِ لإِخْوَانِهِ: زُورُوا الآخِرَةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِقُلُوبِكُمْ, وَشَاهِدُوا الْمَوْتَ بِتَوَهُّمِكُمْ, وَتَوَسَّدُوا الْقُبُورَ بِفِكْرِكُمْ, وَاعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ لا مَحَالَةَ, فَمُخْتَارٌ لِنَفْسِهِ مَا أَحَبَّ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالضَّرَرِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ.
وَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِالْمَعْبُودِ جَلَّ جَلالُهُ فَقَدْ مَنَعَ الشَّرْعَ مِنَ التَّفَكُّرِ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِفَاتِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ السلام:"تفكروا في خلق الله ولا تتفكرو افي اللَّهِ, فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقْدِرُوا قَدْرَهُ".
فَلَمْ يَبْقَ إِلا النَّظَرُ فِي الآثَارِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمُؤْثَرِ.
وَجَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ آثَارِ قُدْرَتِهِ.
وَأَعْجَبُ آثَارِهِ الآدَمِيُّ, فَإِنَّكَ إِذَا تَفَكَّرْتَ فِي نَفْسِكَ كَفَى, وَإِذَا نَظَرْتَ فِي خَلْقِكَ شَفَى. أَلَيْسَ قَدْ فَعَلَ فِي قَطْرَةٍ مِنْ مَاءٍ مَا لَوِ انْقَضَتِ الأَعْمَارُ فِي شَرْحِ حِكْمَتِهِ مَا وَفَتْ!
كَانَتِ النُّقْطَةُ مَغْمُوسَةً فِي دَمِ الْحَيْضِ, وَمِقْيَاسُ الْقُدْرَةِ يَشُقُّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ, خلق منها ثلاثمائة وستين عظماً وخمسمائة وَتِسْعًا وَعِشْرِينَ عَضَلَةً, كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَحْتَهُ حِكْمَةٌ, فَالْعَيْنُ سَبْعُ طَبَقَاتٍ, وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَضَلَةً لِتَحْرِيكِ حَدَقَةِ الْعَيْنِ, وَأَجْفَانِهَا, لَوْ نَقَصَتْ مِنْهَا وَاحِدَةٌ لاخْتَلَّ الأَمْرُ, وَأَظْهَرَ فِي سَوَادِ الْعَيْنِ عَلَى صِغَرِهِ صُورَةَ السَّمَاءِ مَعَ اتِّسَاعِهَا, وَخَالَفَ بَيْنَ أَشْكَالِ الْحَنَاجِرِ فِي الأَصْوَاتِ, وَسَخَّرَ الْمَعِدَةَ لإِنْضَاجِ الْغِذَاءِ, وَالْكَبِدَ لإِحَالَتِهِ إِلَى الدَّمِ, وَالطِّحَالَ لِجَذْبِ السَّوْدَاءِ وَالْمَرَارَةَ لِتَنَاوُلِ الصَّفْرَاءِ كُلُّهَا وَالْعُرُوقُ كَالْخَدَمِ لِلْكَبِدِ تَنْفُذُ مِنْهَا الدِّمَاءُ إِلَى أطراف البدن.
فيا أيها الْغَافِلُ مَا عِنْدَكَ خَبَرٌ مِنْكَ, فَمَا تَعْرِفُ مِنْ نَفْسِكَ إِلا أَنْ تَجُوعَ فَتَأْكُلَ وَتَشْبَعَ فَتَنَامَ, وَتَغْضَبَ فَتُخَاصِمَ, فَبِمَاذَا تَمَيَّزْتَ عَلَى الْبَهَائِمِ!
ارْفَعْ بَصَرَ فِكْرِكَ إِلَى عَجَائِبِ السَّمَاوَاتِ, فَتَلَمَّحِ الشَّمْسَ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي مَنْزِلٍ, فَإِذَا انْخَفَضَتْ بَرَدَ الْهَوَاءُ وَجَاءَ الشِّتَاءُ, وَإِذَا ارْتَفَعَتْ قَوِيَ الْحَرُّ, وَإِذَا كَانَتْ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ اعْتَدَلَ الزَّمَانُ, وَالشَّمْسُ مِثْلُ الأَرْضِ مِائَةً وَنَيِّفًا وَسِتِّينَ مَرَّةً وَأَصْغَرُ الْكَوَاكِبِ مِثْلُ الأَرْضِ ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ.
ثُمَّ اخْفِضْ بَصَرَكَ إِلَى الأَرْضِ تَرَى فِجَاجَهَا مُذَلَّلَةً لِلتَّسْخِيرِ, فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَتَفَكَّرُوا فِي شُرْبِهَا بَعْدَ جَدْبِهَا بِكَأْسِ الْقَطْرِ, وَتَلَمَّحْ خُرُوجَ النَّبَاتِ يَرْفُلُ فِي أَلْوَانِ الْحُلَلِ عَلَى اخْتِلافِ الصُّوَرِ وَالطُّعُومِ وَالأَرَايِيحِ, وَانْظُرْ كَيْفَ نَزَلَ الْقَطْرُ إِلَى عِرْقِ الشَّجَرِ, ثُمَّ عَادَ يَنْجَذِبُ إِلَى فُرُوعِهَا. وَيَجْرِي فِي تَجَاوِيفِهَا بِعُرُوقٍ لا تَفْتَقِرُ إلى كلفة.
فلا حظَّ لِلْغَافِلِ فِي ذَلِكَ إِلا سَمَاعُ الرَّعْدِ بِأُذُنِهِ ورؤية النبات والمطر بعينيه.
كَلا! لَوْ فَتَحَ بَصَرَ الْبَصِيرَةِ لَقَرَأَ عَلَى كل قطرة, ورقة خطاّ بِالْقَلَمِ الإِلَهِيِّ, تُعْلِمُ أَنَّهَا رِزْقُ فُلانٍ فِي وَقْتِ كَذَا.
ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الْمَعَادِنِ لِحَاجَاتِ الْفَقِيرِ إِلَى الْمَصَالِحِ, فَمِنْهَا مُودَعٌ كَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ, وَمِنْهَا مَصْنُوعٌ بِسَبَبِ غَيْرِهِ كَالأَرْضِ السَّبَخَةِ يُجْمَعُ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ فَيَصِيرُ مِلْحًا.
وَانْظُرْ إِلَى انْقِسَامِ الْحَيَوَانَاتِ مَا بَيْنَ طَائِرٍ وَمَاشٍ وَإِلْهَامِهَا مَا يُصْلِحُهَا.
وَانْظُرْ إِلَى بُعْدِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَيْفَ مَلأَ ذَلِكَ الْفَرَاغَ هَوَاءً لِتَسْتَنْشِقَ مِنْهُ الأَرْوَاحُ وَتَسْبَحُ الطَّيْرُ فِي تَيَّارِهِ إِذَا طَارَتْ.
وَانْظُرْ بِفِكْرِكَ إِلَى سَعَةِ الْبَحْرِ وَتَسْخِيرِ الْفُلْكِ فِيهِ, وَمَا فِيهِ مِنْ دَابَّةٍ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: خَلَقَ اللَّهُ ألف أمة, فأسكن ستمائة في البحر وأربعمائة فِي الْبَرِّ.
وَاعَجَبًا لَكَ لَوْ رَأَيْتَ خَطًّا مُسْتَحْسَنَ الرَّقْمِ لأَدْرَكَكَ الدَّهَشُ مِنْ حِكْمَةِ الْكَاتِبِ, وَأَنْتَ تَرَى رُقُومَ الْقُدْرَةِ وَلا تَعْرِفُ الصَّانِعَ, فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْهُ بِتِلْكَ الصَّنْعَةِ فَتَعَجَّبْ كَيْفَ أَعْمَى بَصِيرَتَكَ مَعَ رُؤْيَةِ بَصَرِكَ!