قال ابن جني: إن قيل من أين تجمع قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ}
مع قول امرئ القيس:
على لاحبٍ لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النّباطيّ جرجرا
وأجاب: أنّ معنى قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} لم يذل فيحتاج إلى وليّ من الذل، كما أن هذا معناه: لا منار به فيهتدى به، ومثله قول الآخر:
لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا يرى الضبّ بها ينجحر
وعليه قوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} أي لا يشفعون لهم فينتفعوا بذلك، يدلّ عليه قوله عزّ اسمه: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى} .
وإذا كان كذلك فلا شفاعة إلا للمرتضى فعلمت بذلك أن لو شفع
لهم لا ينتفعون بذلك، ومنه قولهم: «هذا أمر لا ينادى وليده» ، أي لا وليد فيه فينادى. فإن قيل: فإذا كان لا منار به، ولا وليد فيه، ولا أرنب هناك.
فما وجه إضافة هذه الأشياء، إلى ما لا ملابسة بينها وبينه؟!
قيل: لا، بل بينهما ملابسة لأجلها صحت الإضافة، وذلك أنّ العرف أن يكون في الأرض الواسعة منار يهتدى به، وأرنب تحلها، فإذا شاهد الإنسان هذا البساط من الأرض خاليا من المنار والأرنب، ضرب بفكره إلى ما فقده منهما، فصار ذلك القدر من الفكر وصلة بين الشيئين، وجامعا لمعتاد الأمرين، وكذلك إذا عظم الأمر، واشتدّ الخطب، علم أنّه لا يقوم له ولا يحضر فيه إلا الأجلاد، وذوو البسالة، دون الولدان وذوي الضّراعة، فصار العلم بفقد هذا الضرب من النّاس وصلة فيه بينهما، وعذرا في تصاقبهما، وتداني حاليهما» انتهى نص كلامه.