(وجوب التبليغ)
وإذا نزل الوحي على الرسول وعيّن له زمان الإبلاغ لم يكن له تقديمه عليه ولا تأخيره عنه وإن لم يعيّن له زمانه فعليه تبليغه في أول أوقات إمكانه فإن خاف من تبليغ ما أمر به شدة الأذى وعظم الضرر لزمه البلاغ ولم يكن الأذى عذرا له في الترك والتأخير لأن الأنبياء يتكلفون من احتمال المشاق ما لا يتكلفه غيرهم لعظم منزلتهم وما أمدوا به من القوة على تحمل مشاقهم.
وإن خاف منه القتل فقد اختلف المتكلمون في وجوب البلاغ فذهب بعضهم إلى اعتبار أمره بالبلاغ، فإن أمر به مع تخوف القتل لزمه أن يبلغ وإن قتل، وإن أمر به مع الأمن لم يلزمه البلاغ إذا خاف القتل.
وذهب آخرون منهم إلى اعتبار حاله فإن لم يبق عليه من البلاغ سوى ما يخاف منه القتل لزمه البلاغ وإن قتل، وإن بقي عليه من البلاغ سوى ما يخاف منه القتل فإن لم يكن الأمر بالبلاغ مرتبا لزمه أن يقدم بلاغ ما يأمن منه القتل ثم يبلغ ما يخاف منه القتل، فإن قتل، فإن كان الأمر بالبلاغ مرتبا بابتداء ما يخاف منه القتل فإن الله تعالى يعصمه من القتل حتى يبلغ جميع ما أمر به لما تكفل به من إكمال دينه والله تعالى أعلم.