فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 58

{إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ(95)الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(96)}

(فصل: فيما أكرم به صلى الله عليه وسلم من إجابة أدعيته)

إن الله تعالى لما فضل الأنبياء على جميع خلقه مما فوّض إليهم من القيام بحقه تميزوا بطلب المصلحة فخصوا بإجابة الأدعية ليكونوا عونا على ما كلفهم وآية على من أنكرهم فدخل بهذا الامتياز في أقسام الإعجاز.

فمن أعلامه صلى الله عليه وسلم في الإجابة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلا: (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى) قال عتبة بن أبي لهب: كفرت بالذي دنا فتدلى، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:

«اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» يعني الأسد فخرج عتبة مع أصحابه في عير إلى الشام حتى إذا كانوا في طريقهم زأر الأسد فجعلت فرائص عتبة ترتعد فقال أصحابه: من أي شيء ترتعد فو الله ما نحن وأنت إلّا سواء، فقال: إن محمدا دعا عليّ وما ترد له دعوة ولا أصدق منه لهجة، فوضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه، وحاط القوم أنفسهم بمتاعهم وجعلوه وسطهم وناموا فجاء الأسد يستشهي رؤوسهم رجلا رجلا حتى انتهى إليه فهشمه هشمة كانت إياها فقال وهو بآخر رمق: ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس لهجة.

ومن أعلامه صلى الله عليه وسلم: أن المستهزئين به من قريش وهم سبعة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، وفكيهة ابن عامر الفهري، والحرث بن الطلاطلة، والأسود بن الحرث، وابن عيطلة،

كانوا يكثرون منه الاستهزاء ويواصلون عليه الأذاء وكان لا يقرأ إلّا مستسرا ولا يدعو إلّا مستخفيا فنزل عليه قوله تعالى: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) أي لا تجهر بها فيؤذوك ولا تخافت بها عن أصحابك فلا يسمعوك وابتغ بين الجهر والأسرار سبيلا، فأذن لأصحابه حين اشتد بهم الأذى في الهجرة إلى أرض الحبشة لأن ملكها كان منصفا ورغب إلى الله تعالى أن يكفيه أمرهم فنزل عليه قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) .

وقي قوله: (فاصدع بما تؤمر) تأويلان:

أحدهما: امض لما تؤمر به من إبطال الشرك.

والثاني: أظهر ما تؤمر به من الحق.

وفي قوله: (وأعرض عن المشركين) تأويلان:

أحدهما: استهزئ بهم.

والثاني: لا تهتم باستهزائهم إنا كفيناك المستهزئين يعني بما عجّله من إهلاكهم.

فأما الوليد بن المغيرة فإنه ارتدى فعلق بردائه شوك فذهب يجلس عليه فقطع أكحله فنزف فمات لوقته.

وأما العاص بن وائل فوطئ على شوكة فتساقط لحمه من عظامه فمات من يومه.

وأما الأسود بن عبد يغوث فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليه بالعمى وثكل ولده فأتى بغصن فيه شوك فأصاب عينه فسالت حدقتاه على وجهه وقتل ولده زمعة يوم بدر فأعمى الله بصره وأثكله ولده.

وأما فكيهة بن عامر فخرج يريد الطائف ففقد ولم يوجد.

وأما الحرث بن الطلاطلة فإنه خرج لبعض حوائجه فضربه السموم في الطريق فاسود منه ومات.

وأما الأسود بن الحرث فأكل حوتا مملوحا فأصابه عطش فلم يتمالك من شرب الماء حتى انشق بطنه ومات.

وأما ابن عطيلة فاستسقى «1» فمات.

ومثله ما رواه ابن مسعود قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نصلي في ظل الكعبة وناس من قريش وأبو جهل قد نحروا جزورا في ناحية مكة فبعثوا فجاءوا بسلاها وطرحوه بين كتفيه وهو ساجد فجاءت فاطمة فطرحته عنه، فلما انصرف قال: «اللهم عليك بقريش وبأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط» .

قال عبد الله بن مسعود: فلقد رأيتهم قتلى في قليب بدر.

ومن أعلامه صلى الله عليه وسلم: أن خباب بن الأرت أتاه حين اشتد الأذى من قريش فقال: يا رسول الله ادع لنا ربك أن يستنصر لنا على مضر، فقال: «إنكم تعجلون لقد كان الرجل ممن قبلكم يمشط بأمشاط الحديد حتى يخلص إلى ما دون عظمه من لحم أو عصب ويشق بالمنشار فلا يرده ذلك عن دينه وأنكم تعجلون، والله ليمضي هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلّا الله والذئب على غنمه» ، ثم دعا عليهم فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» ، فقطع الله عنهم المطر حتى مات الشجر وذهب الثمر وأجدبت الأرض وماتت المواشي واشتووا القد وأكلوا العلهز «2» ، فلما انتهت بهم الموعظة استعطفوه فعطف ورغب إلى الله تعالى فمطروا.

ومن أعلامه صلى الله عليه وسلم: ما رواه ابن عباس قال: قيل لعمر حدثنا عن شأن جيش العسرة؟ فقال عمر رضي الله تعالى عنه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى خشينا أن تنقطع رقابنا فكان الرجل يذهب ليلتمس الماء فلا يرجع حتى نظن أن رقبته ستنقطع، وحتى كان الرجل ينحر بعيره فيعصره فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على صدره فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا، قال: «أتحب ذلك» ؟ قال: نعم، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فلم يرجعها حتى مالت السحاب فأظلت وأمطرت حتى رووا وملأوا ما معهم من الأوعية، فذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.

ومن أعلامه صلى الله عليه وسلم: ما رواه مسلم الملالي عن أنس بن مالك قال: أتى أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله! لقد أتيناك وما لنا بعير يئط ولا صبي يصطبح ثم أنشد:

أتيناك والعذراء بدمي لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل

وألقى بكفيه الصبي استكانة ... من الجوع ضعفا ما يمر ولا يحلي

ولا شيء مما يأكل الناس عندنا ... سوى الحنظل العامي والعلهز السفلي

وليس لنا إلّا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلّا إلى الرسل

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر ردائه حتى صعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا سحا طبقا غير رايث تنبت به الزرع وتملأ به الضرع وتحيي به الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون» ، فما استتم الدعاء حتى التقت السماء بأروقتها فجاء أهل البطانة يضجون: يا رسول الله! الغرق، فقال: «حوالينا ولا علينا» ، فانجاب السحاب عن المدينة كالأكليل، فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه وقال: «لله در أبي طالب لو كان حيا لقرّت عيناه من الذي ينشدنا شعره» ، فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:

يا رسول الله! كأنك أردت قوله:

وابيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يعوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل

كذبتم وبيت الله نبرى محمدا ... ولما نقاتل دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وقام رجل من كنانة وأنشد:

لك الحمد والحمد ممن شكر ... سقينا بوجه النبي المطر

دعا الله خالقه دعوة ... وأشخص معها إليه البصر

فلم يك إلّا كلقاء الردى ... وأسرع حتى رأينا الدرر

وفاق العز إلى جم البعاق ... أغاث به الله عليا مضر

وكان كما قاله عمه ... أبو طالب أبيض ذو غرر

به الله يسقي صوب الغمام ... وهذا العيان لذاك الخبر

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت» .

ومن أعلامه صلى الله عليه وسلم: ما أظهره الله تعالى من كرامته في عمه العباس حين استسقى به عمر رضي الله تعالى عنه متوسلا إليه بعمه فخرج يستسقي به وقد أجدب الناس، فقال: اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك وبقية آبائه وكبير رجاله فاحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دلونا به إليك مستشفعين إليك مستغفرين.

فقال العباس وعيناه ينضحان: اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالة فقد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم فأغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنه لا ييأس من روحك إلّا القوم الكافرون. فنشأت السحاب وهطلت السماء فطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون هنيا لك ساقي الحرمين فقال حسان بن ثابت:

سأل الإمام وقد تتابع جدبنا ... فسقى الغمام بغرة العباس

عم النبي وصنو والده الذي ... ورث النبي بذاك دون الناس

أحيا الإله به البلاد فأصبحت ... مخضرة الأجناب بعد اليأس

فقال الفضل بن العباس بن أبي لهب يفتخر لذلك:

بعمي سقى الله الحجاز وأهله ... عشية يستسقي بشيبته عمر

توجه العباس في الجدب راغبا ... فما كر حتى جاد بالديمة المطر

ومن أعلامه صلى الله عليه وسلم: ما روي أن أسماء بنت عميس قالت لفاطمة أن علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أوحي إليه فجلله بثوبه فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشمس أو كادت تغيب ثم إنه سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أصليت يا أبا الحسن» ؟ قال: لا. فقال:

«اللهم رد على علي الشمس فرجعت الشمس حتى بلغت نصف المسجد» .

ومن أعلامه صلى الله عليه وسلم: ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقلت يا رسول الله تبعثني وأنا حدث السن لا علم لي بالقضاء؟ قال: «انطلق فإن الله تعالى سيهدي قلبك ويثبت لسانك» . قال علي رضي الله تعالى عنه: فما شككت في قضاء بين اثنين ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقضاكم علي» ، ومثله قوله لابن عباس وهو يومئذ غلام: «اللهم فقّهه في الدين وعلمه التأويل فخرج أفقه الناس في الدين وأعلمهم بالتأويل حتى سمي البحر لسعة علمه.

ومن أعلامه صلى الله عليه وسلم: ما رواه أبو العالية عن أبي هريرة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بتميرات فقلت ادع الله لي بالبركة فيهن فصفهن على يدي ثم دعا بالبركة فيهن ثم قال اجعلهن في المزور فإذا أردت شيئا فأدخل يدك فيه ولا تنثره. قال أبو هريرة فلقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا وسقا في سبيل الله وكنا نأكل منه ونطعم وكان لا يفارق حقوي فلما كان يوم قتل عثمان انقطع فذهب.

ومن أعلامه صلى الله عليه وسلم: ما رواه جعيل الأشجعي قال: غزوت مع رسول الله في بعض غزواته فقال: «سر يا صاحب الفرس» ، فقلت: يا رسول الله هي عجفاء ضعيفة فرفع مخنقة معه فضربها بها وقال: «اللهم بارك له فيها» .

قال: فلقد رأيتني ما أمسك رأسها أن تقدم الناس ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا.

ومن أعلامه صلى الله عليه وسلم: ما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهي أوبأ أرض فيه فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وصححها لنا وبارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها إلى الجحفة» ، فصارت كذلك.

ومن أعلامه صلى الله عليه وسلم: أنه أخذ يوم بدر كفا من حصى وتراب ورمى به في وجوه القوم وقال: «شاهت الوجوه» ، فتفرق الحصى في المشركين ولم يصل ذلك الحصى والتراب أحدا إلّا قتل أو أسر، وفيه نزل قول الله تعالى: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى) .

ومن أعلامه صلى الله عليه وسلم: أن الطفيل بن عمرو الدوسي قدم مكة وكان شاعرا لبيبا فقالت قريش له: احذر محمدا فإن قوله كالسحر يفرّق بين المرء وبين زوجه، فأتاه في بيته وقال: يا محمد اعرض أمرك، فعرض عليه الإسلام وتلا عليه القرآن فأسلم وقال: يا رسول الله! إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لي آية تكون عونا عليهم، فقال: «اللهم أجعل له آية» ، فخرجت حتى إذا كنت بثنية وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي أخشى أن يظنوا بي أنها مثلة فتحول، فوقع في رأس سوطي، فجعل الحاضرون يرون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق وأنا أهبط من الثنية، ثم دعوت رؤساء قومي إلى الإسلام فأبطأوا، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إنهم قد غلبوني على دوس، فادع الله عليهم، فقال: «اللهم اهد دوسا ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم» ، فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم حتى أسلموا.

ومن أعلامه صلى الله عليه وسلم: ما رواه أبو نهيك الأزدي عن عمرو بن أخطب قال:

استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء فأتيته بإناء فيه ماء وفيه شعرة، فرفعتها ثم ناولته

فقال: «اللهم جملة» ، قال: فرأيته بعد ثلاث وتسعين ما في رأسه ولحيته شعرة بيضاء.

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينقي الرجل شعره في الصلاة، فرأى رجلا ينقي شعره في الصلاة فقال: «قبح الله شعرك» ، فصلع مكانه.

فإن قيل: فإجابة الأدعية لا تكون معجزة للنبوّة لأنه قد تجاب دعوة غير الأنبياء؟

قيل: أدعية الأنبياء مجابة على العموم في جميعها، وأدعية غيرهم إن أجيبت فعلى الخصوص في بعضها، لأن الأنبياء منطقون بالحق، فإذا نطقت ألسنتهم بالدعاء صادف ما أمروا به فأجيبوا إليه، وغيرهم قد ينطق بالحق وبغيره، فإن أجيبت أدعيتهم، فهو تفضل يقف على مشيئة الله تعالى.

(1) استسقى: أصابه داء الإستسقاء وهو مرض يسبب احتفاظ الجسم بالماء فتتلف أعضاؤه الداخلية ويموت.

(2) العلهز: القرّاد الضخم، طعام من الدم والوبر وهو يؤكل في المجاعات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت