فأما نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقد اختلف فيها مخالفوه من مثبتي النبوات على أقوال شتى فمنعت اليهود من نبوته لامتناعهم من نسخ الشرع واختلفوا في المانع من نسخة فمنع منه بعضهم بالعقل لأن نهى الله تعالى عما أمر به وأمره بما نهى عنه إنما يكون لخفاء المصلحة عليه في الابتداء وظهورها له في الانتهاء والله تعالى عالم بها في الحالتين لتباين الضدين، ومنع منه بعضهم بالشرع وإن جوزوه في العقل بما نقلوه عن موسى عليه السلام وذكروه في التوراة أنه قال تمسكوا بالسبت أبدا سنة الدهر وكلا الوجهين فاسد من وجهين:
أحدهما: أن العقل لا يمنع من الأمر بالشيء في زمان والنهي عنه في غيره بحسب المصلحة في قول من اعتبرها أو بالإرادة في قول من اعتمدها، ولا يكون مستقبحا من فعل حكيم كما يغني من أفقر ويفقر من أغنى إما للمصلحة أو بالإرادة، ولا يكون ذلك منه لاستبهام المصلحة وأشكال الإرادة.
والثاني: أن موسى قد نسخ شرع من تقدمه لأن آدم زوج بنيه بناته، وجوّز يعقوب الجمع بين الأختين ونكح إبراهيم بنت أخيه وكل هذا عند موسى منسوخ بشرعه فجاز أن ينسخ شرعه بشرع غيره.
وقال آخرون محمد صلى الله عليه وسلم نبي مبعوث إلى قومه من العرب وليس بنبي لغيرهم وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه تخصيص بغير دليل.
والثاني: أن ثبوت نبوّته في قومه موجب لصدقه. وقد قال إنه بعث إلى كافة الخلق وأنه خاتم الأنبياء فلم يجز رد قوله مع ثبوت صدقه.
وقال آخرون هو نبي مبعوث إلى من لم يتمسك بشرع من عبد الأوثان وليس بمبعوث إلى من تمسك بشرع من اليهود والنصارى وهذا فاسد من وجهين مع الوجهين المتقدمين:
أحدهما: أنه يدفع به عن نسخ الشرع وقد دللنا على جوازه.
والثاني: أن من اعترف بالنبوات كان ألزم له من جحدها.