(الباب التاسع والعشرون في أحوال الناس ومنازلهم وفي تعاطي الأفعال المحمودة والمذمومة وطرقها)
الناس في إقامة العبادات وتحري الخيرات على أربعة أضرب:
الأول من له العلم بما يجب أن يفعل وله مع ذلك قوة العزيمة على العمل به وهم الموصوفون بقوله عزَّ وجل في غير موضع: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} .
والثاني من عدمهما جميعًا وهم الموصوفون بقول الله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} وقوله: (إن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا) .
الثالث: من له العلم وليس له قوة العزيمة على فعله، فهو في مرتبة الجاهل بل هو شرٌّ منه، كما روي أن حكيمًا سئل: متى يكون العلم شرًّا من الجهل؟ فقال: أن لا يعمل به.
وروي عن أمير المؤمنين عليّ كرَّم الله وجهه أنه قال: من كانت ضلالته بعد التصديق بالحق فهو بعيد من المغفرة. الرابع من ليس له العلم لكن له قوة العزيمة، فهذا متى انقاد لأهل العلم وعمل بقولهم أنجح في فعله وصار من الموصوفين بقوله تعالى: (أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا) .
والأفعال الجميلة والقبيحة يتقوى الإنسان فيها بتكريرها مرارًا كثيرة وزمانًا طويلًا وقتًا بعد وقت في أوقات متفاوتة، فإن من فعل ذلك في شيءٍ اعتاده، وإذا اعتاده تخلق به، فالحذق في الصناعة كالكتابة مثلًا يكون باعتياده فعل من هو حاذق في الكتابة. والأفعال التي يتعاطاها المتخلق بها تصير خلقًا. فحق الإنسان أن يتدرب بفعل الخير، فإن من تعوَّد فعلًا صار له ملكة، كالصبي قد يلعب بتعاطي صناعة فيؤدي لعبه بها إلى أن يتعلمها.