(الباب الخامس عشر في هداية الأشياء إلى مصالحها)
كل ما أوجده الله سبحانه فإنه هداه لما فيه مصلحته، كما نبه عليه بقوله تعالى: {أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} .
لكن هدايته للجمادات بالتسخير فقط كالأشياء الأرضية التي إذا تركت تنحو نحو السفل وكالنار التي تنحو إلى العلو. وهدايته للحيوانات إلى أفعال تتعاطاها بالتسخير والإلهام كالنحل فيما يتعاطى من السياسة واتخاذ البيوت المسدسة ومن عمل العسل. وكالسُّرفة فيما تبنيه من الأبنية. وكالعنكبوت في نسجه. وهدايته للملائكة بالتسخير والإلهام وببداهة العقل وما جعل لها من العلوم الضرورية، فأما الإنسان فهدايته له تعالى بكل ذلك وبالفكر، وذلك أنه بالتسخير بنفسه وكثير من حركاته، وبإلهام هدايته طفلا للارتضاع بالثدي وطلب الغذاء والتشكي من الآلام بالبكاء، وببديهية العقل يعرف مبادي العلوم، وبالفكر يتوصل إلى استنباط المجهول بالمعلوم، فهو إن خلق عاريًا من المعارف التي جعلها الله تعالى للحيوانات بالإلهام، ومن الملابس والأسلحة التي جعلها لها بالتسخير، فقد جعل للإنسان قوة التعلم بالعقل والفكر وتحصيل الملابس والأسلحة والآلات المختلفة، ووكله إلى نفسه من الإستفادة، ومكنه من ذلك، وذلك فضيلة لا نقيصة ورفعة لا ضعة فإنه بإعطائه العلم والعقل واليد العاملة قد أعطاه كل شيءٍ، ولو أُعطي كل شيءٍ حسب ما أعطي البهائم شيئًا فشيئًا لكان قد منع كلَ شيءٍ لأن بعضه كان يمنعه عن استعمال البعض. وإلى تمكن الإنسان من تحصيل ما يريده أشار الله تعالى بقوله: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وقد ظن قوم أن الله تعالى خلق الناس من بين الحيوان خلقًا منقوصًا إذ لم يعطوا سلاحًا يدفعون به عن أنفسهم كما أعطى كثيرًا من الحيوان أسلحة كالأنياب والمخالب، إذ لم يكفهم لباسهم كما كفى الحيوان بل قد أحوجهم إلى تطهير البدن وقد أغناها عنه، قالوا ولذلك قال الله تعالى: {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} . وليس كذلك والصحيح عند المخلصين أن الإنسان وإن كان ضعيفًا بالإضافة إلى الباري تعالى وإلى الملإِ الأعلى فليس يقصر عن الحيوان جميعه من جهة ما ظنوه، فإن الله تعالى بحكمته البارعة أعطى كل واحد من الحيوان سلاحًا بقدر ما علم من مصلحته، فبعض جعل له آلة الهرب كالعدو، وبعض جعل له رمحا يدفع به كالقرون للبقر والغنم، وبعض دبوسًا كالحافر للفرس والحمار، وبعض نشابًا كالشوك للقنفذ، وجعل لكلٍ لباسًا بحسب كفايته، وألهم كلًا منها صنعة يتعاطاها بطبعه، وجعل للإنسان بدل ذلك الفكر والتمييز الذي يمكنه أن يتخذ به كل آلة وكل ملبس على قدر حاجته إليه، ويتناوله متى شاء، ويضعه متى أحب، ويستبدل به كيفما أراد، والحيوانات ليس لها أن تضع أسلحتها متى ما استغنت عنها ولا أن تستبدل بها فهذا دليل على تمام الإنسان ونقصان الحيوانات، والإنسان بالفكر والرويّة يقهر الحيوانات التي هي أقوى منه لأنه يهيئ بفكرته لكل منها آلة يصطادها بها. فإذًا العقل الذي أعطاه ليحصل به كل ما يحتاج إليه أعلى وأشرف، فإنه مرآة إذا جلاها اطّلع بها على ملكوت السماوات والأرض.