دأب الشيعة على تصوير أنفسهم ضحايا للحكم السني ودول الخلافة التي نشأت هنا وهناك, وكانوا دائمًا يدّعون أنهم مضطهدون ومهمّشون من قبل جميع الدول السنيّة التي حكمت, لكننا اليوم وفي هذه السطور أمام حدث تاريخي هام, يفنّد بعضًا من ادعاءاتهم ويلقي الضوء على جانب مهم من سيرة أئمة آل البيت, وتدحض الشبهات التي كان ينسجها الشيعة, والافتراءات التي كانوا يلصقونها بالأئمة, والأئمة منها براء.
في سنة 201هـ, عيّن الخليفة العباسي المأمون الإمام علي بن موسى (الرضى) وليًّا للعهد, ونقل ولاية العهد من البيت العباسي الذي ينتمي إليه إلى بيت آخر وإلى واحد من أبناء الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ولد الإمام علي الرَّضِي بالمدينة سنة 148هـ [1] واشتهر بالعلم والورع, ولم يكن له اشتغال بالسياسة, وهو عند الشيعة الإثني عشرية الإمام الثامن, وفي عام 201هـ, خلع الخليفة العباسي المأمون أخاه المؤتمن, وعيّن الإمام الرَّضِي وليًّا للعهد, واختلفت الآراء حول هدف خطوة المأمون هذه, فالإمام السيوطي يقول أن المأمون كان معروفًا بالتشيع, وهذا هو ما حمله على تولية الرَّضِي, ومنهم من يجعل السبب المعتزلة الذين كان المأمون محاطًا بهم, ومنهم من يجعل السبب انتصار النزعة الفارسية على النفوذ العربي, وآخرون يرون تأثير وزير المأمون الفضل بن سهل, كما أن آخرين رأوا في هذه الخطوة مناورة سياسية رغب المأمون من خلالها إلى كشف بعض شخصيات آل البيت, وإظهار عزوفها عن الخوض في غمار السياسة ومعترك الحياة, كما رغب في إظهارهم إلى العلن بدلًا من عملهم في السر.
وأيّا كان هدف المأمون من هذه البيعة التي استمرت عامين وانتهت بموت الإمام الرضى رحمه الله سنة 203هـ إلا أننا نجد أنفسنا مضطرين للوقوف أمامها كثيرًا كونها تلامس أصلًا من أصول الشيعة وهو"الإمامة".
(1) وقيل سنة 151هـ أو سنة153هـ.