5ـ نشأة الفكر الباطني
عُرف التأويل الباطني قبل الإسلام بزمن طويل،"ولم يقتصر الأمر على الكتب المقدسة، بل امتد إلى النصوص القانونية، وإلى الآثار الأدبية حين تصبح ذات سلطة. فحينما صار شعر هوميروس نصًّا ذا سلطة، أخذ المفكرون اليونانيون والأدباء في القرّن الخامس قبل الميلاد في تأويله.." [1] .
ثم انتقل التأويل الرمزي إلى اليهودية على يد فيلون اليهودي في القرن الأول الميلادي، الذي يعد من أكبر ممثلي النزعة إلى التأويل في العصر القديم، وإن كان قد سبقه في اليهودية كثيرون، فسّروا إبراهيم بالنور أو العقل، وسارة بالفضيلة، لكن فيلون تميز عليهم بأن جعل من التأويل مذهبًا قائمًا برأسه ومنهجًا في الفهم [2] .
والذي دفع فيلون إلى اتخاذ مذهب التأويل الباطني، تلك الحملة التي قام بها المفكرون اليونانيون على ما في التوراة (المحرفة) من قصص وأساطير ساذجة أو غير معقولة... فاضطر فيلون إلى الدفاع عن التوراة بتأويل المواضيع غير المعقولة تأويلًا بالباطن، ورأى أن التأويل الباطني هو روح النص المقدس، وأن التفسير بالمعنى الحرفي هو مجرد جسم هذا النص، وأنه يؤدي إلى الكفر... وفي التوراة، أوّل فيلون الجنة بأنها ملكوت الروح، وشجرة الحياة بأنها خوف الله، والأنهار الأربعة في الجنة هي الفضائل الأربعة الأصيلة، وهابيل بأنه التقوى الخالصة من الثقافة العقلية، وقابيل بأنه الأناني... [3] .
ثم انتقلت فكرة التأويل من اليهودية إلى النصرانية على يد أوريجانس الذي تأثر بفيلون، وقال إن الكتاب المقدس يفسر على ثلاثة أوجه:
1ـ فالرجل البسيط يكفيه"جسد"الكتاب المقدس.
2ـ والمتقدم في الفهم يدرك"روح"هذا الكتاب.
3ـ والكامل من الرجال هو الذي يفهمه بالناموس النفساني الذي يطلع على الغيب [4] .
(1) ـ مذاهب الإسلاميين ص 10.
(2) ـ المصدر السابق ص 12.
(3) ـ المصدر السابق ص 12.
(4) ـ المصدر السابق ص13.