الصفحة 117 من 1053

وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الناس في زمن قلة العلم وتفشي الجهل سيتخذون رؤساء جهالًا، فقال: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهّال يستفتون فيفتون برأيهم فيُضلون ويَضلّون» ( [704] ) ولا يقاوم البدع إلا العلم والعلماءُ، فإذا فقد العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر، ولأهلها أن ينشطوا.فإذا ظهرت البدع واتبعها الناس تاركين السنن وراء ظهورهم إما إعراضًا عنها، أو جهلًا بها، كانوا بفعلهم هذا متبعين لسنن اليهود والنصارى؛ فاليهود علموا، ولكنهم تركوا العمل. والنصارى عملوا بلا علم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن كفر اليهود أصله من جهة عدم العمل بعلمهم، فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه عملًا، أو لا قولًا ولا عملًا. وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون؛ لهذا كان السلف؛ سفيان بن عيينة وغيره يقولون: إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود. ومن فسد من عبّادنا ففيه شبه من النصارى) ( [705] ) .

وقد تقدم أن قرب القرون الثلاثة من آثار الرسالة يجعلها أبعد من غيرها عن أتباع سنن اليهود والنصارى، وخيرها قرن الصحابة، وهو أبعد الجميع عن اتباع سنن أولئك. ولم يكن بين الصحابة مبتدع، ولا صاحب رأي، ولا قدري، ولا حروري، ولا معتزلي، ولا مرجئ، كما نقل ذلك الشيعة عن إمامهم السادس جعفر الصادق ( [706] ) .

وكلّما ابتعد الناس عن آثار النبوة قل العلم، وتفشى الجهل -كما تقدم-، ولا يأتي زمان إلاّ والذي بعده شر منه ( [707] ) ، إلى أن يكثر الخبث ويكثر شرار الناس فيكون زمانهم أشد الأزمنة اتباعًا لسنن اليهود والنصارى، وإلىذلك الزمان أشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع..» ( [708] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت