فهرس الكتاب
ولقد أصاب المسلمين بعد اطلاعهم على هذه الشروط غمٌّ وهمٌّ واشتد عليهم ذلك، ومما زاد الأمر عليهم شدة قدوم أبي جندل إلى المسلمين مسلمًا بعد كتابة صحيفة الصلح؛ فقد جاءهم يرسف في قيوده، ورمى بنفسه بين أظهرهم، فلما رآه أبوه سهيل بن عمرو، قال: «هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد. قال: فو الله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا... قال أبو جندل: أي معشر المسلمين! أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا، ألا ترون ما قد لقيت؛ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله» ( [164] ) فتأثر المسلمون بمنظره تأثرًا شديدًا، وأحسوا أن شروط الصلح فيها غبن لهم، حتى إن عمر رضي الله عنه أحس في قرارة نفسه أن بعض الشروط التي اشترطها المندوب القرشي سهيل بن عمرو في المعاهدة وقبل بها النبي صلى الله عليه وسلم، فيها مساس بكرامة الأمة الإسلامية تسجّل عليها شيئًا من الدنيّة، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له بصراحته المعهودة: «ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى. قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟» ( [165] ) .
و عمر رضي الله عنه إنما قال هذا لما رآه من ظاهر شروط الصلح، ولم يكن يعلم المصلحة التي ستتحقق من وراء هذه الشروط، ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم معارضته. ولم يعنفه، بل أخبره أن ما فعله كان بأمر من الله. فقال له: «إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري» ( [166] ) .