فهرس الكتاب
وباقي الصحابة -عدا أبا بكر الصديق رضي الله عنه- وإن كانت ساءتهم هذه الشروط، إلا أنهم لم يصارحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صارحه عمر رضي الله عنه، ولكن ظهر منهم ما يدل على شدة كربهم وحزنهم، مثل امتناعهم عن الاستجابة له لما قال لهم: «قوموا فأنحروا ثم احلقوا» ( [167] ) . ومثل امتناع علي رضي الله عنه عن إمحاء اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحيفة الصلح، لما طلب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لعدم رضا سهيل بن عمرو بكتابته في الصحيفة، فقال صلى الله عليه وسلم لـ علي: «امحه. فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه أبدًا فلما لم يستجب لرسول الله. محاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده» ( [168] ) ، والشيعة قد أقروا بهذا وذكروه في كتبهم مسندًا، وبغير إسناد ( [169] ) .
ومثل قول سهل بن حنيف ويعد عند الشيعة من كبار أصحاب علي ( [170] ) حاكيًا عن حاله يوم تم الصلح: «والله لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته» ( [171] ) .
وهذا كله لا يقدح في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم ليسوا معصومين، والذنوب جائزة عليهم، والذي حصل منهم إنما حصل بسبب حبهم لله ورسوله، وبغضهم لأعداء الله، ورغبتهم في ظهور الإيمان على الكفر، لذلك رأوا أن قتال هؤلاء المشركين أحب إليهم من هذه المصالحة التي حسبوا أن فيها ضيمًا عليهم من أهل الكفر، ولم يعرفوا المصلحة منها. وهم رضوان الله عليهم أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين، وقد بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، وأخبر الله سبحانه برضاه عنهم، وشهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ولو كان فيما فعلوه ما يقدح بهم لما أخبر الله سبحانه برضاه عنهم؛ لأن ما أخبر به سبحانه وتعالى لا ينسخ ولا يبدل.