فهرس الكتاب
إن هذا الذي صدر من عمر رضي الله عنه من الأدلة على صلابته في الدين، وشدة بغضه للكفار والمنافقين، فهو رضي الله عنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على عبد الله بن أبي لعلمه أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت هو طلب المغفرة له، وقد تقدم النهي عن الاستغفار للمشركين حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لما مات عمه أبو طالب: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت: (( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) ) [التوبة:113] » ( [190] ) .
و أبو طالب مات قبل ابن أبي بزمن -باتفاق السنة والشيعة - فالنهي عن الاستغفار للمشركين متقدم.
و عمر رضي الله عنه فهم أن المشركين والمنافقين متشابهون في الخاتمة وسوء العاقبة، بل: (( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ ) ) [النساء:145] ، والمشركون نهي المؤمنون عن الاستغفار لهم بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم، وكذلك المنافقون من أصحاب الجحيم.
فكان قول عمر الذي قاله لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قاله حرصًا على النبي ومشورة لا إلزامًا، وله عوائد بذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتقبل منه النصح في أكثر الأحيان ويعمل بمشورته، ولكنه هذه المرة لم يأخذ بقوله، فأراد أن يطيب له خاطره، فتبسّم في وجهه -مع أنه لم يكن يصنع ذلك عند شهود الجنائز- وقد برر العلماء ذلك بقولهم: [إنه عبّر عن طلاقة وجهه بذلك تأنيسًا لـ عمر، وتطييبًا لقلبه، كالمعتذر عن ترك قبول كلامه ومشورته] ( [191] ) .
أما صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن أبي رغم نهي عمر له؛ فلأنه لم ينه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليه من قبل ربه تبارك وتعالى، فصلى عليه إجراء له على ظاهر حكم الإسلام، والله أعلم.