الصفحة 278 من 1053

أما عن سبب مقالة عمر هذه: فإنه رضي الله عنه رأى شدة تألم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشدة وجعه، وكان صلى الله عليه وسلم إذا نزل به المرض يوعك كما يوعك الرجلين من أصحابه ( [205] ) ، فأشفق عليه من أن يشق عليه إملاء الكتاب، أو مباشرة الكتابة، واشتبه عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده» هل هو من الحمى التي كانت قد أخذته، أو مما يقول على عادته، وهو مستحضر لقوله تعالى: (( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) ) [الأنعام:38] . وقوله: (( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) ) [النحل:89] .

فشك في ذلك، ولم يجزم بأن الذي صدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أثر الحمى، والشك جائز على عمر، فإنه لا معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم لا سيما وقد شك بشبهة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان مريضًا، فلم يدر أكلامه كان من وهج المرض -كما يعرض للمريض- أو كان من كلامه المعروف الذي يجب قبوله، وكذلك ظن أنه لم يمت، حتى تبين له أنه قد مات] ( [206] ) ، وهذا لا يقدح في عمر -.

قال الخطابي: ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال، لكنه لما رأى ما غلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوجع وقرب الوفاة، مع ما اعتراه من الكرب اخف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين، وقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد منهم] ( [207] ) .

وخلاصة القول: إن عمر رضي الله عنه لم يقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه يهجر، فلا محل لمطعن الشيعة فيه بسبب ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت