فهرس الكتاب
أما قول: [ما شأنه أهجر؟ استفهموه] : فإنه لم ينسب إلى الفاروق رضي الله عنه، وإنما نسب إلى بعض الموجودين عنده صلى الله عليه وسلم؛ فقد جاء في إحدى الروايات: قالوا: «ما شأنه أهجر، استفهموه» . ( [208] ) وفي رواية أخرى: «فقال بعضهم: إن رسول الله قد غلبه الوجع...» ( [209] ) .
أما رواية (هجر) ، (إنه يهجر) : التي استدل بها الشيعة فلم أقف عليها في كتب الحديث الستة، والظاهر أنها لا تصح، والله أعلم.
قال القاضي عياض: وقوله: (أهجر رسول الله صلى الله عليه وسلم) : هكذا هو في صحيح مسلم وغيره على الاستفهام، وهو أصح من رواية من روى: (هجر، يهجر) ؛ لأن هذا كله لا يصح منه صلى الله عليه وسلم؛ لأن معنى (هجر) : هذى، وإنما جاء هذا من قائله استفهامًا للإنكار على من قال: لا تكتبوا؛ أي لا تتركوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجعلوه كأمر من هجر في كلامه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يهجر. وإن صحت الروايات الأخرى كانت خطأ من قائلها قالها بغير تحقيق، بل لما أصابه من الحيرة والدهشة لعظيم ما شاهده من النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الحالة الدالة على وفاته وعظيم المصاب به، وخوف الفتن والضلال بعده، وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع.
وقول عمر رضي الله عنه: [حسبنا كتاب الله] رد على من نازعه، لا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم ( [210] ) .
وقد ذكر النووي رحمه الله أن قول عمر: (حسبنا كتاب الله) : (قد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره... إلخ) ( [211] ) .