الصفحة 280 من 1053

أما الذين تنازعوا في كتابة الكتاب أو عدمها: فإنهم ظهر لهم أن قوله عليه السلام من باب الإرشاد لهم، وقد كان من عادتهم أن يراجعوه صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور ما لم يجزم الأمر، فإذا عزم امتثلوا، وقد فهموا من قوله إنه يدلهم على الأصلح، ولم يفهموا الوجوب، فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة، فأرادوا أن يستفهموه ليعلموا أقال هذا على سبيل الجزم، أو على سبيل الإلزام، وتنازعوا في ذلك، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تنازعهم ترك الكتابة لهم، كما سبق أن ترك إعلامهم بليلة القدر لما تلاحى أمامه الرجلان، فرفعت، وقال لهم رسول الله وقتها: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى ان يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» ( [212] ) ولعل ترك كتابته صلى الله عليه وسلم لهم من الخير لهم أيضًا.

ثانيًا: وأما ما زعمه الشيعة من أن الذي أراد أن يكتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتاب هو الوصية باستخلاف علي: فهو زعم باطل أيضًا؛ لأنهم يعتقدون أن النص على خلافته رضي الله عنه نزل من السماء مكتوبًا، وأشهد الله عليه ملائكته ( [213] ) ، ويعتقدون أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نص على خلافته نصًا جليًا، وطلب من أصحابه أن يبايعوه ( [214] ) ، فما الداعي إلى كتابة النص مرة أخرى، وهو أمر قد فرغ منه عند الشيعة.

والولاية واجبة عند الشيعة، وهي من أركان الإسلام -بل أفضلها عندهم ( [215] ) ، وما كان كذلك لم يجز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتركها لتكلم متكلم أو اعتراض معترض، وقد بقى عليه السلام حيًا بعد هذه الواقعة أربعة أيام ( [216] ) ولم يذكرها بقليل أو كثير، ولو كان الأمر كما زعم الشيعة لأخبر بها، ولكنه ترك الإخبار بها، فدل على أنه ترك أمرًا لا يرى وجوبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت