فهرس الكتاب
وهذا الزعم من الشيعة يعد طعنًا في رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم يدعون أنه ترك تبليغ أمر واجب لاختلاف الصحابة عنده. بينما المتتبع لسيرته عليه السلام يجد أنه لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه، بل بلغ كل صغير وكبيرة، فأنزل الله سبحانه وتعالى عليه: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا ) ) [المائدة:3] ؛ قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أنزل عليه فقد كذب، والله يقول:(( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) ) [المائدة:67)] ( [217] ) .
وتراجع الرسول صلى الله عليه وسلم عن الكتابة، يدل على أن الذي أراد أن يكتبه لم يكن أمرًا محتمًا؛ لأنه لو كان مما أمر بتبليغه لم يكن يتركه لوقوع اختلافهم، بل ولعاقب الله من حال بينه وبين تبليغه، ولبلغه لهم لفظًا كما أوصاهم بإخراج المشركين، وإجازة الوفد، وغير ذلك] ( [218] ) .
أما عن حقيقة الكتاب الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتبه: فقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله: «أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر رضي الله عنه، ثم ترك ذلك اعتمادًا على ما علمه من تقدير الله تعالى ذلك، كما هم بالكتاب في أول مرضه حين قال: وارأساه، ثم ترك الكتاب، وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» ( [219] ) .
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قد عزم أن يكتب الكتاب الذي ذكره لـ عائشة، فلما رأى الشك قد وقع، علم أن الكتاب لا يرفع الشك، فلم يبق فيه فائدة، وعلم أن الله يجمعهم على ما عزم عليه، كما قال: «ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» ( [220] ) ( [221] ) .