فهرس الكتاب
ويشهد لفهم البيهقي هذا ما رواه النسائي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سمعت عمر يقول: والله إني لأنهاكم عن المتعة، وإنها لفي كتاب الله، ولقد فعلها رسول الله؛ يعني العمرة في الحج» ( [307] ) وروى الإمام مسلم بسنده عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه «أنه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعد، حتى لقيه بعد، فسأله، فقال عمر: قد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم» ( [308] ) .
قال القاضي عياض: [ظاهر كلام عمر هذا إنكار فسخ الحج إلى العمرة، وأن نهيه عن التمتع إنما هو من باب ترك الأولى، لا أنه منع من ذلك منع تحريم وإبطال، ويؤيد هذا قوله بعد هذا: «قد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن تحت الأراك» . ([309] ) .
فـ عمر إذًا: لم يقل بتحريم متعة الحج، ولكنه قصد من وراء نهيه عنها أمرين كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة:
أحدهما: ألا يؤدي التمتع إلى هجر البيت بقية السنة، فلا يطوف به معتمر لاكتفائهم بعمرة الحج.
والأمر الثاني: كراهة أن يذهب الناس حجاجًا إثر مقارفتهم للنساء، والحاج لا يترفه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ثم إن الناس كانوا في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لما رأوا في ذلك من السهولة، صاروا يقتصرون على العمرة في الحج، ويتركون سائر الأشهر لا يعتمرون فيها من أمصارهم، فصار البيت يعرى عن العمّار من أهل الأمصار في سائر الحول، فأمرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بما هو أكمل لهم؛ بأن يعتمروا في غير أشهر الحج فيصير البيت مقصودًا معمورًا في أشهر الحج، وفي غير أشهر الحج، وهذا الذي اختاره لهم عمر رضي الله عنه هو الأفضل ([310] ) .