الصفحة 316 من 1053

ولقد طبّق رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ الشورى مع أصحابه رضي الله عنهم في كثير من المواقف؛ كمشاروتهم قبل خوض معركة بدر في مناجزة الأعداء أو عدمها ( [401] ) ومشاورتهم قبل معركة أحد في منازلة المشركين داخل المدينة أو خارجها ( [402] ) ومشاورتهم قبل معركة الأحزاب في شأن الأحزاب، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق ( [403] ) ، ومشاروتهم بعد معركة حنين في شأن رد سبي هوزان ( [404] ) ، وغير تلك من المشاورات.

ولقد اقتفى الصحابة رضي الله عنهم إثر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية الشورى؛ فخليفته الصديق رضي الله عنه كان إذا ورد عليه أمر نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى بينهم، وإن علمه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به، وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين عن السنة، فإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم، وتبعه على ذلك الفاروق عمر رضي الله عنه ( [405] ) .

قال الإمام البخاري رحمه الله: [وكانت الأئمة رحمهم الله بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم] ( [406] ) .

ولقد كان عمر رضي الله عنه كثير المشاورة للصحابة، يستمع لرأيهم في كل أمر يرد عليه.

ولما حضرته الوفاة، وطُلب منه أن يستخلف، رأى أن المصلحة في أن يُجعل اختيار الخليفة شورى بين ستة اعتقد أنهم خير من ترك بعده، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض-وهذه أعظم تزكية لهم في هذا المقام- ورأى أن هؤلاء الستة إن بايعوا واحدًا منهم باختيارهم حصلت المصلحة بحسب الإمكان ( [407] ) ، فخطا رضي الله عنه بالأمة الخطوة الأولى نحو اختيار الخليفة، وضيق الدائرة، وقرب الأمر، وقطع أطماع العامة من الخلافة، ثم ترك تعيين أحد هؤلاء المرشحين الستة إلى اختيار المسلمين وحكمهم، وهذا من أحكم التدابير، وأحسن ضروب السياسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت