الصفحة 324 من 1053

ولكنه لا يدل على عصمة عمر رضي الله عنه؛ قال الحافظ ابن حجر معلقًا على هذا الحديث: [فيه فضيلة عظيمة لـ عمر تقتضي أن الشيطان لا سبيل له عليه، لا أن ذلك يقتضي وجود العصمة؛ إذ ليس فيه إلا فرار الشيطان منه أن يشاركه في طريق يسلكها، ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل إليه قدرته. فإن قيل عدم تسليطه عليه بالوسوسة يؤخذ بطريق مفهوم الموافقة؛ لأنه إذا منع من السلوك في طريق أولى أن لا يلابسه بحيث يتمكن من وسوسته له، فيمكن أن يكون حفظ من الشيطان، ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له؛ لأنها في حق النبي واجبة، وفي حق غيره ممكنة] ( [460] ) .

فالحديث إذًا لا يدل على عصمة عمر رضي الله عنه كما فهم من ذلك الشيعة، وإنما يدل على قمعه لهواه؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على هذا الحديث: [لأن الشيطان إنما يستطيل على الإنسان بهواه، وعمر قمع هواه] ( [461] ) .

وهذا ما فهمه الصحابة من هذا الحديث؛ فلقد كانوا يثنون على ورع عمر رضي الله عنه وتقواه، وقمعه لهواه، ويشيرون إلى هذا الحديث؛ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إني لأحسب أن الشيطان يفرقه، فإذا ذكر الصالحون فحي هلا بـ عمر) ( [462] ) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (كنّا نرى أن شيطان عمر يخافه أن يجره إلى معصية الله تعالى) ( [463] ) . وهذا يدل على أنهم رأوا من سيرته رضي الله عنه أنه قمع هواه، فقالوا فيه هذه المقالة.

أما ما زعمه الشيعة من أن عمر رضي الله عنه كان ممن استزلهم الشيطان يوم أحد ففر؛ فزعم باطل سيأتي بيان بطلانه.

وهم لا يزعمون أن عمر رضي الله عنه فرّ يوم أحد فحسب، بل يزعمون أنه فرّ في أكثر المغازي التي غزاها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتبهم مليئة بأشباه هذه المزاعم؛ فقد ذكر سليم بن قيس أن عمر رضي الله عنه فر في أكثر المعارك ( [464] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت