فهرس الكتاب
والراجح في معنى المحدث: الذي يجعل الله الحق على لسانه وقلبه-كما فهم ذلك من الحديث الآخر المتقدم- والعلماء وإن كانوا اختلفوا في معناه، إلا أن خلافهم لفظيّ؛ فالألفاظ التي ذكروها كلها تدور حول معنى واحد ( [488] ) ، هو قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله جعل الحق على لسان عمر» ؛ أي أنه موفق للصواب، ملهم للحق؛ ولكن ليس معنى ذلك أنه لا يخطئ، بل يخطئ رضي الله عنه، ولكن خطأه يكون أقل من خطأ غيره. فلا يراد إذا منه العصمة كما فهم ذلك الشيعة. ويقال فيه كما قيل في حديث: «ما سلك عمر فجًا إلا سلك الشيطان فجًا غيره» ، وقد تقدم الكلام عن ذلك ( [489] ) .
وهذا هو المعنى الذي فهمه الصحابة من قوله عليه السلام: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» ؛ فقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من عدة طرق قوله: (ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر) ( [490] ) .
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (ما رأيت عمر قط إلا وأنا يخيّل إليّ أن بين عينيه ملكًا يسدده) ( [491] ) . وبنحو قوله قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه. ( [492] ) .
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال فيه ابن الخطاب - أو قال عمر - إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر) ( [493] ) وفي قوله هذا إشارة إلى موافقات عمر رضي الله عنه؛ فإنه قد وافق ربه سبحانه في عدة أمور، منها ما ورد في قوله: (وافقت ربي في ثلاث. فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت:(( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) ) [البقرة:125] ، وآية الحجاب: قلت: يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيْرة عليه، فقلت لهن: (( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ) ) [التحريم:5] ، فنزلت هذه الآية) ( [494] ) .