فهرس الكتاب
وإن قدر أنه كان يظن جواز رجم الحامل، فهذا مما قد يخفى؛ فإن الشرع قد جاء في موضع بقتل الصبي والحامل تبعًا، كما إذا حوصر الكفار، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف، ونصب عليهم المنجنيق، وقد يقتل النساء والصبيان... ولكن السنة فرقت بين ما يمكن تأخيره كالحد، وبين ما يحتاج إليه كالبيات والحصار. ( [497] ) .
أما بالنسبة للمجنونة: فيجوز أنه لم يكن يعلم بجنونها حتى نُبّه إلى ذلك. أو أنه رأى أنها كانت مستحقة للحد، فأمر بأن يقام الحد عليها.
وأما الحديث الذي احتج به علي على عمر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم» ( [498] ) فإنه يقتضي رفع المأثم لا رفع الضمان باتفاق المسلمين، فلوا أتلفوا نفسًا أو مالًا ضمنوه.. ( [499] ) .
وحال هذه المجنونة التي زنت أنها كانت معتوهة تفيق، ثم يغيب عقلها-كما سيأتي بيان ذلك- فلعل عمر رضي الله عنه ظن أنها زنت في حال عقلها وإفاقتها. وقد قال جمهور العلماء: إن المجنون إذا زنى في حال الإفاقة، ثم طرأ عليه الجنون، فإن الحد يقام عليه ( [500] ) ، وهذا الذي همّ عمر رضي الله عنه أن يفعله لولا أن عليًا رضي الله عنه احتج عليه بحديث: (رفع القلم) ، وبأن الزنا لا يعلم في أي حال من أحوال هذه المعتوهة تم؛ فقد روى أبو داود والنسائي بأسناديهما «أن عمر أُتي بامرأة قد فجرت، فأمر برجمها، فمر علي رضي الله عنه فأخذها فخلّى سبيلها، فأخبر عمر، قال: ادعوا لي عليًا. فجاء علي رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يبرأ، وإن هذه معتوهة بني فلان، لعل الذي أتاها، أتاها وهي في بلائها، قال: فقال عمر: لا أدري. فقال علي: وأنا لا أدري» ( [501] ) .