الصفحة 331 من 1053

وهذه الرواية أفادت أن عمر لم يكن يعلم بجنونها، فأخبره علي بذلك، وذكر له أنها معتوهة تفيق وتجن، فأسقط عنها الحد لشبهة، هي عدم معرفته هل تم الزنا في حال الإفاقة أم في حال الجنون.

قال الخطابي: [لم يأمر عمر رضي الله عنه برجم مجنونة مطبق عليها في الجنون، ولا يجوز أن يخفى هذا عليه، ولا على أحد ممن بحضرته، ولكن هذه امرأة كانت تجن مرة وتفيق أخرى، فرأى عمر رضي الله عنه أن لا يسقط عنها الحد لما يصيبها من الجنون؛ إذ كان الزنا منها في حالة الإفاقة، ورأى علي كرم الله وجهه أن الجنون شبهة يدرأ بها الحد عمن يبتلى به، والحدود تدرأ بالشبهات، فلعلها قد أصابت ما أصابت وهي في بقية من بلائها، فوافق اجتهاد عمر رضي الله عنه اجتهاده في ذلك، فدرأ عنها الحد، والله أعلم بالصواب] ( [502] ) .

أما بالنسبة للمرأة التي ولدت لستة أشهر، وزعم الشيعة أن عمر أمر برجمها، فهي من الأمور النادرة؛ لأن المعتاد أن المرأة تلد لتسعة أشهر، والأمور النادرة قد لا تخطر بالبال.

وهذه المرأة تزوجت فوضعت ولدًا بعد ستة أشهر من زواجها فشك زوجها، ورفع أمرها إلى عمر، فرأى عمر رضي الله عنه دليلًا من أدلة ثبوت الزنا، وهو الحبل والولادة قبل المدة المقدرة لمن تزوجت مثلها قبل ستة أشهر، فأراد أن يرجمها، ولكنه على عادته استشار الصحابة ( [503] ) . فأشار عليه علي أن لا يرجمها لوجود ما يدرأ عنها الحد في كتاب الله تعالى، فوافقه على ذلك.

وصاحب العلم العظيم -كـ عمر رضي الله عنه- إذا رجع إلى من هو دونه في بعض الأمور لم يقدح هذا في كونه أعلم منه ( [504] ) .

وكذلك من اجتهد وحكم بخلاف السنة، ولم تبلغه السنة، فهو مثاب على اجتهاده، مطيع لله ورسوله فيما فعله من الاجتهاد بحسب استطاعته، وله أجر على ذلك ( [505] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت