فهرس الكتاب
ثانيًا: وذكر الشيعة من الأدلة على جهل عمر رضي الله عنه: قصة نهيه عن المغالاة في المهور: فقد ذكروا أنه قال في خطبة له: (من غالى في مهر امرأة جعلته في بيت المال. فقالت له امرأة: كيف تمنعنا ما أعطانا الله في كتابه حين قال:(( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا ) ) [النساء:20] . فقال: كل أحد أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت) ( [506] ) .
والجواب: إن الذي ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «ألا لا تغالوا صدقة النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم، ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئًا من نسائه، ولا أنكح شيئًا من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، ويقول: قد كلفت إليك عَرَق القِربة» ( [507] ) ( [508] ) .
هكذا رواه أصحاب السنن بأسانيد صحيحة، دون أن يذكروا اعتراض المرأة على عمر رضي الله عنه. وإنما روي الاعتراض من طرق أخرى، في بعضها انقطاع ( [509] ) .
وقول عمر رضي الله عنه في النهي عن المغالاة في المهور لم يقصد به المخالفة للآية. وإنما أراد أن يدل الناس على المستحب في المهور، ويرشدهم إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله قدوة للمسلمين؛ قال تعالى: (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) ) [الأحزاب:21] ، ويؤيد هذا استدلاله رضي الله عنه بصنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاحه وإنكاحه. وليس في قوله ما يدعو إلى الاعتراض عليه؛ لأنه لم يمنعهم أن يغالوا في المهور، بل أرشدهم إلى المستحب والأفضل.
أما الروايات التي ذكرت اعتراض المرأة عليه، فإن كانت صحيحة، فهي تدل على أن استجابته لها رضي الله عنه مبنية على طيبة النفس، وأنه قال ما قاله على جهة التواضع؛ لأن من أظهر الاستفادة من غيره وإن قل علمه، فقد تعاطى الخضوع.