الصفحة 352 من 1053

1-لم تكن حروب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها دفاعية، بل كان الكفّ عن قتال من اعتزل المسلمين ولم يقاتلهم مرحلة من المراحل التي مرّ بها جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه للمشركين؛ فإن الجهاد في سبيل الله مرّ بمراحل، وكان آخر الأمر فيه فرْضَهُ، سواء كان الكفار معتزلين أو محاربين، وسواء كانت الحرب لرد اعتداء رفع ظلم أو لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده؛ قال الحافظ ابن القيم رحمه الله يعدد هذه المراحل: [فأقام صلى الله عليه وسلم بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح، ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال ([590] ) ثم أمره الله أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله ( [591] ) ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله ( [592] ) ، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد ( [593] ) ، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ( [594] ) ، ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها؛ فأمره فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، أو يدخلوا في الإسلام ( [595] ) .

وأمره بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم ( [596] ) ، فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان. وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، ونبذ عهودهم إليهم] ( [597] ) إلى أن قال: [فاستقر أمر الكفار منه بعد نزول سورة براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة، ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين، وأهل ذمة. فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب] ( [598] ) .

لذلك صار الجهاد بعد نزول هذه الآيات من فروض الكفاية -إذا لم يكن النفير عامًا- بحيث إذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ وبهذا قال جمهور علماء المسلمين. ( [599] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت