فهرس الكتاب
ولم يقتصر نشاط ابن سبأ على الدعوة في مصر إلى خلع عثمان، بل أخذ يكاتب أتباعه في البصرة والكوفة يحضهم على إشعال نار الفتنة وتأجيجها ( [876] ) وتواعدوا جميعًا على إتيان المدينة، ولما وصلوها أحاطوا بها مظهرين الأمر بالمعروف، وقد اتصلوا بكبار الصحابة أمثال علي وطلحة والزبير، وأظهروا لهم أنهم يستعفون من عثمان بعض عماله، ويطلبون منهم السماح للناس بالدخول، فكلهم أبى عليهم ذلك وقالوا: (بيض ما يفرخن) ( [877] ) .
ولما رأوا فشل مخططهم غيروا الأسلوب، فاتفق نفر من أهل مصر فأتوا عليًا، ونفر من أهل البصرة فأتوا طلحة، ونفر من أهل الكوفة فأتوا الزبير، وكلموهم، وعرضوا عليهم، ولكنهم ردوهم على أعقابهم وهم يقولون: (لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فارجعوا لا صحبكم الله) ( [878] ) .
ولقد تظاهر هؤلاء الغوغاء بالرجوع، ولكنهم عادوا مخترعين قضية الكتاب الذي زعموا أن عثمان أرسله إلى واليه على مصر وقد تقدم أنه من اختلاقهم.
وقد وجدوا الكتاب مبررًا لدخول المدينة على حين غفلة من أهلها، ومن ثم إحاطتهم ببيت الخليفة عثمان رضي الله عنه، وإحكامهم الحصار، حتى أن طرقات المدينة ضاقت بهم، وبلغ الزحام شدته في موضع الحصار، حتى لو ألقي حجر لم يقع إلا على رأس رجل ( [879] ) .
ولما علم الصحابة بذلك تسابقوا -وفي مقدمتهم علي وطلحة والزبير - للدفاع عن عثمان، وسأله الأنصار أن يسمح لهم بالدفاع عنه كي يكونوا أنصار الله مرتين، ولكنه رضي الله عنه استقبلهم وأقسم عليهم أن يكفوا أيديهم فيسكنوا، وقال لهم: (لا حاجة لي في ذلك) ( [880] ) .
ولكنهم رغم عزمه عليهم أن يكفوا أيديهم ويضعوا أسلحتهم ويرجعوا إلى بيوتهم، أبقوا عنده أبناءهم كي يحرسوا باب داره ولا يمكنوا أحدًا من الغوغاء من الاقتراب منه ( [881] ) .