فهرس الكتاب
وهذه الرواية توضح أيضًا أن الصحابة الذين كانوا في المدينة كانوا مستعدين لقتال أولئك الغوغاء إذا ما أمرهم خليفتهم بذلك، ولكنه رضي الله عنه عزم عليهم أن لا يفعلوا حتى لا يخلف رسول الله في أمته بسفك دمائهم كما ذكر ذلك، ولقد لبس ابن عمر الدرع يوم الدار مرتين، وفي كل مرة يطلب منه عثمان ألا يفعل ( [903] ) ، وحمل أبو هريرة السيف يريد أن يقاتل بين يدي عثمان، فقال له: (عزمت عليك يا أبا هريرة إلا طرحت سيفك، وقال له:(يا أبا هريرة أيسرك أن تقتل الناس جميعًا وإياي معهم؟ فقال: لا. فقال عثمان: والله لئن قتلت رجلًا واحدًا لكأنما قتلت الناس جميعًا) ( [904] ) .
ولما قال له الحسن بن علي رضي الله عنهما: (يا أمير المؤمنين أنا طوع يدك، فمرني بما شئت، قال له عثمان: يا ابن أخي ارجع فاجلس في بيتك حتى يأتي الله بأمره، فلا حاجة لي في هراقة الدم) ( [905] ) .
وجاءه عبد الله بن سلام رضي الله عنه يعرض عليه أن يقاتل بين يديه، فأبى، فاستأذنه أن يعظ الغوغاء فأذن له، فخرج إليهم، وقال: (الله الله في هذا الرجل أن تقلتوه، فوالله لئن قتلتموه لتطردن جيرانكم الملائكة، ولتسلن سيف الله المغمود عنكم، فلا يغمد عنكم إلى يوم القيامة) ( [906] ) .
ولم يكن الصحابة يعلمون أن الأمر سيصل بالغوغاء إلى قتل عثمان، فلما سمعوا بمقتله بهتوا، وتبرؤوا من قتلة ولعنوهم.
فهذا علي رضي الله عنه يخبر عما أصابه حين بلغه مقتل عثمان رضي الله عنه فيقول: «اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان وأنكرت نفسي، وجاؤوني للبيعة فقلت: أني لأستحي من الله أن أبايع قومًا قتلوا رجلًا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تستحي ممن تستحيي منه الملائكة... اللهم خذ مني لـ عثمان حتى ترضى» ( [907] ) .